بينما تتصاعد وتيرة الصراع في أوكرانيا وتدخل منعطفات جديدة، يبدو أن الكرملين لا يكتفي بالميدان العسكري المباشر، بل يوجه بوصلته نحو استراتيجية أكثر عدوانية تجاه الغرب. وفي الوقت الذي يبشر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرب التوصل إلى اتفاق سلام، تشير التحليلات العميقة إلى أن موسكو تعد العدة لنوع آخر من المواجهات، تستهدف فيه بريطانيا بشكل خاص بحلول عام 2026.
في هذا التقرير، نستعرض ملامح التحليل الذي نشره موقع "آي بيبر" (iPaper) البريطاني، بقلم الدكتور مارك غاليوتي، المؤرخ والخبير في الشؤون الأمنية الروسية، حول ما يخطط له فلاديمير بوتين في السنوات القليلة القادمة.
استراتيجية "الحرب الهجينة": ما وراء المواجهة العسكرية
يرى غاليوتي أن عام 2026 لن يشهد بالضرورة صداماً عسكرياً مباشراً بين لندن وموسكو، نظراً لاستنزاف القدرات الروسية في الحرب الأوكرانية وحاجتها لسنوات من أجل إعادة الهيكلة. ومع ذلك، ستكون بريطانيا في "مرمى النيران" عبر ما يُعرف بـ الحرب الهجينة، وهي مزيج معقد من:
- التضليل الإعلامي: بث أخبار زائفة لزعزعة الثقة في المؤسسات.
- الضغط السيبراني: هجمات إلكترونية تهدف إلى الابتزاز أو شل المرافق الحيوية.
- التخريب المادي المحدود: استهداف البنى التحتية بشكل غير مباشر.
- زعزعة التماسك السياسي: محاولة تعميق الانقسامات الداخلية داخل المجتمع البريطاني.
بريطانيا في المخيلة الروسية: "الشرير الحقيقي"
تحتل المملكة المتحدة مكانة فريدة في البروباغندا الروسية، حيث يتم تصويرها غالباً كـ "العقل المدبر" وراء المؤامرات الموجهة ضد الكرملين. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الترويج لقصص خيالية مثل وجود خطة بريطانية-أوكرانية لاختطاف طائرة (ميغ-31) لشن هجوم وهمي على قواعد الناتو في رومانيا، بهدف تأجيج المشاعر المناهضة لروسيا.
هذا التشويه المتعمد يخدم بوتين داخلياً في نقطتين:
- تبرير العسكرة: إقناع الشعب الروسي بضرورة الإنفاق العسكري الضخم لمواجهة "العدو الخارجي".
- قمع المعارضة: وصم أي صوت معارض بالخيانة والتعاون مع "المتآمرين البريطانيين".
تكتيك "الإنكار المعقول": التهديد المبطن
يعتمد بوتين في حملته المرتقبة على أسلوب "الإنكار المعقول" (Plausible Deniability). وهو تكتيك يقوم على تنفيذ عمليات تخريبية أو هجمات سيبرانية مع نفي رسمي قاطع، لكنه يترك في الوقت ذاته إيحاءات مبطنة توحي بمسؤولية موسكو. الهدف من ذلك هو:
- بث القلق والارتباك في صفوف القادة البريطانيين.
- إجبار لندن على التراجع عن مواقفها الداعمة لأوكرانيا خوفاً من تصعيد مجهول.
- إظهار الغرب بمظهر الضعيف العاجز عن الرد على تهديدات غير ملموسة.
سلام أوكرانيا.. هل ينهي الصراع مع الغرب؟
يحذر المقال من التفاؤل المفرط بشأن أي اتفاق سلام محتمل في أوكرانيا. وبحسب غاليوتي، فإن أي تسوية يتم التفاوض عليها حالياً قد تكون "بشعة وغير عادلة"، ولن تؤدي إلى مصالحة حقيقية. بل على العكس، سيظل بوتين يرى في أوروبا -خاصة في ظل تضامنها مع بريطانيا- تهديداً وجودياً لنظامه، سواء كان ذلك نابعاً من قناعة أيديولوجية أو براغماتية سياسية.
كيف يجب أن تستعد بريطانيا؟
في مواجهة هذه التحديات، تسرّع لندن من استعداداتها، بما في ذلك دراسة نشر قوات حفظ سلام في أوكرانيا مستقبلاً. ومع ذلك، يشدد الخبراء على ضرورة التركيز على:
- تعزيز المرونة الوطنية: تقوية الدفاعات السيبرانية وحماية البنية التحتية.
- الأمن الاستخباراتي: التركيز على كشف "التدابير النشطة" والتأثير السياسي غير المباشر.
- عدم الانجرار وراء الاستفزاز: الحفاظ على الثبات السياسي وعدم منح بوتين "نشوة النصر" من خلال إظهار الخوف أو الارتباك.
الخلاصة:
بحلول عام 2026، قد لا نسمع دوي المدافع في شوارع لندن، لكننا سنشهد حرباً خفية أكثر ضراوة. إن الاستعداد لمواجهة البروباغندا الروسية والحملات السيبرانية الممنهجة هو التحدي الأكبر الذي سيواجه الأمن القومي البريطاني والأوروبي في المرحلة المقبلة.


اترك تعليقاً