تحالف الضرورة والاستراتيجية: لماذا اعترفت إسرائيل بـ “أرض الصومال” الآن؟

تحالف الضرورة والاستراتيجية: لماذا اعترفت إسرائيل بـ “أرض الصومال” الآن؟

شهدت الخارطة الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي تحولاً دراماتيكياً مع إعلان رئيس إقليم "أرض الصومال" (Somaliland) الانفصالي، عبد الرحمن عرو، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عن توقيع اتفاقية اعتراف متبادل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من التنسيق الأمني والاستخباري الذي انتقل من أروقة مراكز الدراسات الإسرائيلية إلى العلن، مدفوعاً بتحديات الملاحة في البحر الأحمر وتصاعد التهديدات الإقليمية.

الجذور الاستراتيجية: من الظل إلى العلن

لم تكن الاتفاقية مفاجئة للمتابعين للشأن الإسرائيلي؛ فقبل أيام فقط من الإعلان الرسمي، نشر "معهد الأمن القومي الإسرائيلي" دراسة استراتيجية أكدت أن إسرائيل ترى في "أرض الصومال" شريكاً حيوياً لمواجهة النفوذ المتطرف وتأمين طرق الشحن الحساسة.

يوضح الترتيب الزمني للأحداث أن تل أبيب حسمت خيارها بالاعتراف بالإقليم الانفصالي كضرورة أمنية ملحة، خاصة بعد فشل الخيارات التقليدية في ردع الهجمات التي تستهدف سفنها، مما جعل من التواجد المباشر في خليج عدن والقرن الأفريقي أولوية قصوى على سلم المصالح الإسرائيلية.

البحر الأحمر: ساحة الصراع والمصالح الكبرى

يعد البحر الأحمر شريان الحياة للتجارة العالمية، حيث يمر عبره نحو 12% من حركة التجارة البحرية وربع إمدادات النفط العالمية. وتكمن أهميته في:

  • نقاط الاختناق: السيطرة على مضيق باب المندب جنوباً وقناة السويس شمالاً تعني التحكم في وتيرة الاقتصاد العالمي.
  • البنية الرقمية: يضم البحر الأحمر نحو 16 كابلاً بحرياً تنقل ما يقارب 96% من حركة المعلومات الرقمية والاتصالات الدولية.
  • الأمن القومي الإسرائيلي: بعد سنوات من التركيز على المتوسط، أدركت إسرائيل أن خاصرتها الجنوبية (ميناء إيلات) أصبحت مهددة بشكل مباشر، مما دفعها للبحث عن "نقاط ارتكاز" جديدة تتجاوز حدودها الجغرافية.

لماذا "أرض الصومال"؟ .. الحسابات الجيوسياسية

تنبع جاذبية إقليم أرض الصومال بالنسبة لتل أبيب من مزيج فريد بين الموقع الجغرافي والرغبة السياسية الجامحة لدى قادة الإقليم في انتزاع اعتراف دولي بأي ثمن.

1. الموقع العملياتي القريب

تمتد سواحل أرض الصومال على مسافة 740 كيلومتراً، وتبعد مئات الكيلومترات فقط عن مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن. هذا القرب يوفر لإسرائيل:

  • منصة لجمع المعلومات الاستخبارية ومراقبة التحركات العسكرية.
  • قاعدة للدعم اللوجستي وإعادة التزود بالإمدادات للسفن والقطع الجوية.
  • إمكانية تنفيذ عمليات اعتراض للطائرات المسيرة والصواريخ قبل وصولها للأهداف.

2. نموذج "أذربيجان الأفريقية"

يرى المحللون الإسرائيليون أن التحالف مع هرجيسا (عاصمة أرض الصومال) يشبه إلى حد كبير التحالف مع أذربيجان؛ حيث يتم توظيف دولة حدودية أو قريبة من "العدو" لتكون عيناً وقاعدة متقدمة للعمليات الاستخبارية والأمنية.

3. الانفتاح السياسي والاتفاقيات الإبراهيمية

على عكس جيرانها (إريتريا المعادية أو جيبوتي المحايدة حذراً)، أبدت أرض الصومال مرونة سياسية كبيرة، وصلت إلى حد التلميح بالانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية، بل ومناقشة مقترحات مثيرة للجدل مثل "إعادة توطين" مهجرين من قطاع غزة، مقابل الحصول على الشرعية الدولية.

السياق التاريخي: كيف تشكل الكيان الانفصالي؟

لفهم الأزمة، يجب العودة إلى إرث الاستعمار الأوروبي الذي قسم الصومال إلى خمسة كيانات. توحد "الصومال البريطاني" (أرض الصومال حالياً) مع "الصومال الإيطالي" عام 1960، لكن هذا الاتحاد انهار في أعقاب الحرب مع إثيوبيا عام 1977 وانهيار الدولة المركزية في مقديشو عام 1991.

أعلنت قبيلة "إسحاق" (العمود الفقري للإقليم) الانفصال من جانب واحد، معتبرة الخطوة "استعادة للسيادة". ورغم نجاح الإقليم في بناء مؤسسات مستقرة نسبياً، إلا أنه ظل يعاني من "عزلة دولية" جعلته يبحث عن حلفاء غير تقليديين مثل إثيوبيا مؤخراً، وإسرائيل حالياً.

ردود الفعل: زلزال دبلوماسي في القرن الأفريقي

قوبلت الخطوة الإسرائيلية برفض قاطع وواسع النطاق، تمثل في:

  • الصومال: اعتبرت مق

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *