مقدمة: مكانة الإمامة وضوابط الصلاة
تُعد الإمامة في الصلاة مقاماً رفيعاً، لا سيما إذا كان الإمام فقيهاً يجمع بين اتباع السُّنة ومراعاة أحوال المصلين. ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن القراءة بعد الفاتحة سنة لا تبطل الصلاة بتركها، كما أجمعوا على استحباب التخفيف في صلاة الجماعة مراعاة للمأمومين، بينما يُباح للمنفرد التطويل كما يشاء.
إشكالية البحث
تكمن الإشكالية في التوفيق بين ضيق وقت صلاة المغرب وبين ما ورد من قراءة النبي ﷺ لسورة “الأعراف” (وهي من أطول السور) فيها. فهل هذا الفعل مستحب للأئمة اليوم؟ وهل يُعد تركُه إهمالاً لسنة مهجورة؟
أدلة إطالة القراءة في المغرب
- نص الحديث: روى البخاري عن زيد بن ثابت أنه أنكر على مروان بن الحكم قراءته بقصار المفصل دائماً، مؤكداً أنه سمع النبي ﷺ يقرأ بـ “طولى الطوليين” (أي سورة الأعراف).
- تعريف المفصل: هو من سورة “الحجرات” إلى “الناس”، وينقسم إلى:
- الفعل لسبب عارض: يرى الشيخان ابن باز وابن عثيمين أن قراءة الأعراف كانت لمرة واحدة أو لسبب خاص، ولم يثبت تكرارها، بينما استقرت سُنته ﷺ على التخفيف في المغرب.
- الانتقاد الحديثي: أشار الحافظ ابن رجب والشيخ مصطفى العدوي إلى أن حديث الأعراف في المغرب واجه انتقادات إسنادية؛ لوجود “مروان بن الحكم” في السند، ولاضطراب رواياته، بخلاف أحاديث التخفيف المتواترة.
- قاعدة (القول مقدم على الفعل): عند التعارض، يُقدم قول النبي ﷺ (الأمر بالتخفيف) على فعله، لأن القول تشريع عام للأمة، بينما الفعل قد يكون واقعة عين أو خصوصية.
- أحاديث النهي عن التطويل: مثل إنكاره ﷺ على معاذ بن جبل وتسميته “فتاناً” لإطالته الصلاة، ووصيته لعثمان بن أبي العاص بالتخفيف، وهي أحاديث صريحة في وجوب مراعاة الضعيف وذا الحاجة.
- ضيق وقت المغرب: ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان ينصرف من المغرب والضوء ما زال منتشراً (يُبصر أحدهم مواقع نبله)، وهذا يستحيل معه قراءة سورة طويلة كالأعراف بشكل دائم.
- عمل أهل المدينة: ذكر الإمام مالك والقرطبي أن العمل المستقر في المدينة النبوية كان على تقصير القراءة في المغرب.
- هدي الصحابة والتابعين: ثبت عن أبي هريرة وغيره أن القراءة في المغرب كانت بقصار المفصل، وهو ما حكاه الترمذي كإجماع عملي عند أهل العلم.
1. طوال المفصل: من (ق) إلى (المرسلات).
2. أوساط المفصل: من (النبأ) إلى (الليل).
3. قصار المفصل: من (الضحى) إلى (الناس).
آراء الفقهاء في المسألة
انقسم العلماء في هذه القضية إلى اتجاهين:
1. الاتجاه الأول (الجواز والاستحباب): ذهب الشافعي وأحمد (في رواية) إلى استحباب ذلك أحياناً لصحة الحديث، بشرط ألا يشق الإمام على المأمومين.
2. الاتجاه الثاني (الكراهة واستحباب التقصير): وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والمشهور عن أحمد، ويرى أن السُّنة الراتبة هي التخفيف في المغرب.
مناقشة أدلة القائلين بالتخفيف (القول الراجح)
اعتمد أصحاب هذا القول على عدة ردود علمية وقواعد أصولية:
العمل المستقر وما جرى عليه السلف
الخلاصة والترجيح
الراجح هو عدم استحباب قراءة سورة الأعراف في صلاة المغرب بصفة دورية، بل يُستحب التخفيف مراعاةً للمقاصد الشرعية وتيسيراً على الناس. أما القول بأنها “سنة مهجورة” فهو وصف غير دقيق؛ لأن السُّنة المهجورة هي ما ثبتت المواظبة عليها، بينما قراءة الأعراف في المغرب لم يُنقل عن السلف في القرون المفضلة المداومة عليها، بل استقر العمل على خلافها. والله أعلم.

اترك تعليقاً