شهر رجب: وقفات شرعية بين الاتباع والابتداع

الحمد لله العليم اللطيف، نحمده سبحانه على فضله العميم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى صراطه المستقيم، والمبلّغ لشرعه القويم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أهمية الاتباع والحذر من الابتداع

إن أساس الإيمان هو طاعة الله ورسوله، والوقوف عند حدود ما شرع؛ فكل عمل يُتقرب به إلى الله لا بد أن يكون موافقًا لهدي النبي ﷺ، فالمتابعة هي طريق الثواب، والمخالفة هي سبب الحرمان والعقاب. وقد بيّن الله تعالى أن الفلاح معقود بطاعته وطاعة رسوله، حيث قال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

مكانة شهر رجب بين الأزمان

لقد فاضل الله سبحانه وتعالى بين الأزمان والأمكنة لمضاعفة الأجور، فجعل شهر رمضان للصيام، وأشهر الحج لزيارة بيته الحرام. ومن هذه الأزمان الفاضلة شهر رجب، فهو من الأشهر الحرم الأربعة، إلا أنه يجب التنبه لعدة أمور تتعلق بعباداته:

  • تخصيص العبادات: لم يرد في الشرع تخصيص شهر رجب بعبادة معينة دون غيره من الشهور.
  • الذبائح (العتيرة): كان أهل الجاهلية يخصونه بالذبائح، فجاء الإسلام بنسخ ذلك وإبطاله، لقوله ﷺ: «لا فرع ولا عتيرة».
  • الصلاة المبتدعة: ما يُعرف بـ “صلاة الرغائب” في أول ليلة جمعة من رجب هي صلاة مخترعة لا أصل لها في السنة النبوية.
  • الصيام: يُكره إفراد رجب بالصيام تشبهًا برمضان أو تعظيمًا له كفعل الجاهلية، أما من صامه ضمن عادته (كالاثنين والخميس أو الأيام البيض) فلا حرج عليه.
  • ما يُشرع وما لا يُشرع في رجب

    بناءً على الأدلة الشرعية وفعل السلف الصالح، يمكن تلخيص الأحكام المتعلقة بهذا الشهر فيما يلي:
    1. الأعياد والمواسم: ليس للمسلمين إلا عيدان (الفطر والأضحى) وعيد أسبوعي (يوم الجمعة)، واتخاذ رجب موسمًا أو عيدًا هو من المحدثات.
    2. العمرة: لم يثبت تخصيص رجب بعمرة، وإنما الفضل المخصوص في العمرة يكون في شهر رمضان.
    3. ذكرى الإسراء والمعراج: لا يوجد نص شرعي أو أثر عن السلف يحدد تاريخ وقوعها في رجب، ولم يشرع النبي ﷺ ولا أصحابه الاحتفال بها.
    4. الذبائح المشروعة: التقرب لله بالذبح محصور فيما شرعه الله كالعقيقة عن المولود، والأضحية في ذي الحجة، وهدي التمتع والقران، أو ما أوجبه المرء على نفسه بالنذر.

    الدعاء المأثور والحرص على العمل الصالح

    يُستحب للمسلم أن يدعو بما ورد عن النبي ﷺ عند دخول رجب: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلِّغنا رمضان». وفي هذا إشارة إلى:

  • استحباب سؤال الله البقاء لإدراك الأزمان الفاضلة للتزود من العمل الصالح.
  • أن المؤمن الحق هو من طال عمره وحسن عمله.
  • الحرص على ختم الحياة بعمل صالح، فقد كان السلف يحبون الوفاة عقب الطاعات كالصيام أو الحج.

خاتمة وتذكير

فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بسنة نبيكم، واعلموا أن السعادة في لزوم أمره، والنجاة في اجتناب نهيه. أكثروا من صالح الأعمال والدعاء، واسألوا الله الثبات والمغفرة.

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
بارك الله لنا ولكم في القرآن والسنة، واستغفروا الله إنه هو الغفور الرحيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *