فقدت الأسرة الإعلامية العربية والعالمية أحد أبرز أعمدتها وروادها الأوائل، برحيل الإعلامي القدير جميل عازر، الذي لم يكن مجرد مذيع مر عبر الشاشات، بل كان مدرسة صحفية متكاملة وصوتاً رصيناً ساهم في تشكيل الوعي العربي على مدار عقود. يُعد عازر واحداً من الجيل المؤسس لقناة الجزيرة، حيث ترك بصمة مهنية وأخلاقية عميقة لا يمكن للزمن أن يمحوها.
مسيرة حافلة في قلب "الجزيرة"
منذ اللحظات الأولى لانطلاق قناة الجزيرة، برز اسم جميل عازر كعنصر محوري في بناء صرحها الإخباري. لم تقتصر أدوار الراحل على الظهور أمام الكاميرا فحسب، بل امتدت لتشمل جوانب جوهرية في العمل الصحفي:
- عضوية هيئة التحرير: ساهم في صياغة السياسات التحريرية للقناة وتحديد توجهاتها المهنية.
- التدقيق اللغوي: عُرف بحرصه الشديد على سلامة اللغة العربية، وكان المرجع الأول لضمان جودة المحتوى اللغوي ودقته.
- التقديم الإخباري والبرامجي: أطل على الجمهور بوقار المتمكن، مقدماً نشرات الأخبار والبرامج التحليلية بأسلوب فريد.
"الملف الأسبوعي".. نافذة التحليل المعمق
ارتبط اسم جميل عازر ببرنامجه الشهير "الملف الأسبوعي"، الذي استطاع من خلاله تفكيك أعقد القضايا السياسية الدولية. بذكائه المعهود وقدرته على الربط بين الأحداث، جعل من البرنامج وجهة لكل باحث عن الحقيقة والتحليل الرصين بعيداً عن السطحية.
محاور بارع وشاهد على التاريخ
خلال مسيرته الطويلة، حاور عازر كبار القادة والسياسيين وصناع القرار حول العالم. تميزت حواراته بـ:
- الجرأة والمهنية: طرح الأسئلة الشائكة بكل أدب وموضوعية، متمسكاً بمبدأ "الرأي والرأي الآخر".
- الأمانة في النقل: شهد عازر على منعطفات تاريخية كبرى، ونقل أحداثها للجمهور بأمانة مهنية قلّ نظيرها في عالم الإعلام المعاصر.
- الانضباط العالي: عُرف في أروقة القناة بدقته المتناهية في المواعيد والعمل، مما جعله قدوة يحتذى بها.
مدرسة للأجيال الإعلامية الصاعدة
لم يبخل الراحل جميل عازر يوماً بخبرته على الشباب الملتحقين حديثاً بالمهنة. فقد كان بمثابة الأب الروحي والموجه للعديد من الصحفيين والمذيعين، حيث غرس فيهم قيم الصدق الصحفي، وأهمية الثقافة الواسعة، والتمسك بأخلاقيات المهنة قبل أي شيء آخر.
يرحل جميل عازر جسداً، لكنه يبقى حياً في ذاكرة المشاهد العربي، وفي سجلات الإعلام كأحد الفرسان الذين ارتقوا بالكلمة والصورة، تاركاً وراءه إرثاً غنياً سيظل منارة تضيء طريق الباحثين عن التميز والمهنية في عالم الصحافة والإعلام.


اترك تعليقاً