يعيش ملايين البشر حول العالم في ظل تهديد صحي خفي؛ حيث يتسلل مرض السكري إلى أجسادهم دون أن يشعروا بوجوده لسنوات طويلة. وتشير الإحصائيات الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في الولايات المتحدة إلى واقع مثير للقلق، حيث إن نحو 8.7 ملايين شخص مصابون بالسكري فعلياً لكنهم لم يحصلوا على تشخيص رسمي بعد، وهو ما يمثل ربع إجمالي المصابين البالغين تقريباً. هذا "الغياب التشخيصي" يمنح المرض فرصة ذهبية للتطور بصمت، مما يمهد الطريق لمضاعفات صحية جسيمة كان من الممكن تلافيها عبر الوعي المبكر.
فهم طبيعة السكري: أنواع تختلف في المسار وتتفق في الخطر
يُصنف السكري كمرض مزمن يختل فيه توازن مستويات الجلوكوز في الدم نتيجة فشل الجسم في إنتاج أو استخدام الإنسولين بفعالية. وينقسم هذا المرض إلى ثلاثة أنماط رئيسية:
- السكري من النوع الثاني: وهو الأكثر شيوعاً بنسبة تصل إلى 95% من الحالات، ويتميز بتطوره البطيء الذي قد يستغرق سنوات دون أعراض صارخة.
- السكري من النوع الأول: اضطراب مناعي يهاجم فيه الجسم خلايا البنكرياس، وغالباً ما تظهر أعراضه بشكل مفاجئ وحاد، خاصة لدى الأطفال والشباب.
- مرحلة "ما قبل السكري": حالة رمادية تكون فيها مستويات السكر أعلى من الطبيعي ولكنها لم تصل بعد لمستوى السكري، وهي مرحلة حرجة يمكن فيها عكس مسار المرض إذا تم اكتشافها.
إشارات تحذيرية: كيف يخبرك جسدك بوجود خلل؟
غالباً ما يرسل الجسم رسائل خفية تشير إلى ارتفاع مستويات السكر، إلا أن الكثيرين يفسرونها بشكل خاطئ على أنها مجرد إرهاق عابر أو علامات للتقدم في السن. إليك أبرز هذه العلامات:
- التبول المتكرر (Polyuria): عندما يرتفع السكر، تحاول الكلى التخلص من الفائض عبر البول، مما يستوجب دخول الحمام بكثرة.
- العطش المفرط: نتيجة لفقدان السوائل المستمر عبر التبول، يدخل الجسم في حالة من الجفاف الدائم التي تدفعك لشرب كميات غير معتادة من الماء.
- نوبات الجوع المفاجئة: رغم تناول الطعام، تشعر خلايا الجسم بـ "المجاعة" لأن السكر لا يصل إليها بفعالية، مما يولد رغبة مستمرة في الأكل.
- الإعياء المزمن: الشعور بالهزال وفقدان الطاقة حتى بعد نيل قسط كافٍ من الراحة، وذلك بسبب فشل الجسم في تحويل الغذاء إلى طاقة خلوية.
- تغيرات الرؤية: قد يؤدي ارتفاع السكر إلى انتفاخ عدسات العين، مما يسبب تشوشاً مؤقتاً في الرؤية.
- تنميل الأطراف: الشعور بوخز أو خدر في اليدين والقدمين، وهي علامة مبكرة على تأثر الأعصاب الطرفية بارتفاع السكر المزمن.
- فقدان الوزن غير المبرر: ويظهر هذا بوضوح في النوع الأول، حيث يبدأ الجسم في حرق الدهون والعضلات للحصول على الطاقة بدلاً من السكر المفقود.
مخاطر التجاهل: لماذا يعد التشخيص المتأخر كارثياً؟
تكمن خطورة السكري غير المشخص في كونه "يعمل في الخفاء" على تدمير الأوعية الدموية والأعصاب. عدم السيطرة على المرض قد يؤدي إلى:
- مضاعفات حادة: مثل "الحماض الكيتوني السكري" أو "متلازمة فرط الأسمولية"، وكلاهما حالات طبية طارئة تهدد الحياة.
- أضرار بعيدة المدى: تشمل الفشل الكلوي، أمراض القلب والشرايين، تلف الشبكية الذي قد يؤدي للعمى، واعتلال الأعصاب الذي قد ينتهي بقرح القدم السكري.
خارطة الطريق للوقاية والتشخيص المبكر
تؤكد الجمعية الأمريكية للسكري أن الوقاية تبدأ بالفحص الدوري. إليك أهم التوصيات:
- متى تبدأ الفحص؟ يُنصح بإجراء فحوصات دورية كل 3 سنوات ابتداءً من سن 35 عاماً.
- الفئات الأكثر عرضة: يجب التبكير في الفحص إذا كنت تعاني من السمنة، ارتفاع ضغط الدم، الخمول البدني، أو إذا كان لديك تاريخ عائلي مع المرض.
- الاختبارات المعتمدة: تشمل اختبار "الهيموغلوبين السكري" (A1C)، واختبار سكر الدم الصائم، واختبار تحمل الغلوكوز.
كلمة أخيرة
إن الوعي بأعراض السكري ليس مجرد ثقافة صحية، بل هو خط الدفاع الأول لحماية جودة حياتك. إن اكتشاف المرض في مراحله الأولى، مع الالتزام بنمط حياة صحي ومتابعة


اترك تعليقاً