إنَّ الوقوف بين يدي الله عز وجل في صلاة الفجر يمثل الاختبار الحقيقي لصدق العبودية، والترمومتر الدقيق لإيمان المؤمن؛ ففي تلك الساعات الساكنة حيث يطيب الكرى ويستسلم الجسد للراحة، تنادي الأرواحُ باريها، وتستنهض العزائمُ قواها. لطالما وجدتُ نفسي في صراع مرير مع هذا النداء الرباني، فكم غلبتني عيني، وكم استبدَّ بي النوم حتى وجدتُ نفسي غارقًا في بحر التقصير. كنت أتساءل بمرارة تملأ جنبات روحي: “إلى متى سأظل أسيرًا لهذا التفريط؟ يومٌ تدركني الصلاة في وقتها، وعشرةُ أيام أقضيها نادمًا بعد فوات الأوان. تارةً أقف خلف الإمام في المسجد، ومئات المرات أصلي وحيدًا في منزلي متخلفًا عن ركب الجماعة. متى ستشرق شمس الهداية على قلبي لتستقيم خطاي نحو بيوت الله؟”.
التماس النصح وبداية المسار الإصلاحي
انطلاقًا من المبدأ النبوي الكريم الذي يؤكد أن الاستشارة بابٌ من أبواب التوفيق، وأن “ما خاب من استشار”، قررتُ أن أضع مشكلتي بين أيدي أهل الحكمة والاختصاص. لم أترك بابًا إلا وطرقته بحثًا عن حل لهذه المعضلة التي أرقت منامي وجعلتني أشعر بنقصٍ في ديني. وبعد طول بحث واستقصاء، تبلورت أمام عينيَّ خارطة طريق، تلخصت في خمس توصيات جوهرية، اعتبرتُها ميثاقًا جديدًا لحياتي:
- أولاً: الالتجاء إلى القوي المتين بالدعاء: فالمؤمن بالله قوي، وبنفسه الضعيفة عاجز؛ لذا كان لزامًا عليَّ أن أطرق باب السماء، سائلاً الله العون والتثبيت، مدركًا أن التوفيق بيد الخالق وحده.
- ثانيًا: فقه النوم المبكر: العودة إلى الهدي النبوي الذي كان يكره النوم قبل العشاء والسمر بعدها، فتنظيم البيولوجيا الجسدية يبدأ من لحظة الانصراف من صلاة العشاء مباشرة.
- ثالثًا: اجتناب القيلولة المفرطة: لضمان وجود رغبة ملحة في النوم فور دخول الليل، ومنع حدوث الأرق الذي يشتت الذهن ويؤخر الاستغراق في الراحة المنشودة.
- رابعًا: بركة البكور: العزم الأكيد على عدم العودة للنوم بعد صلاة الفجر، فذاك وقتٌ قُسّمت فيه الأرزاق، وحُفَّ بالبركات والخيرات العميمة.
- خامسًا: الأخذ بالأسباب المادية: وذلك عبر استخدام المنبهات والحرص التام على النوم على طهارة كاملة، اقتداءً بالسنة المطهرة وتفاؤلاً بحفظ الله.
صراع الإرادة وخذلان الحواس
بدأتُ بتطبيق هذه المنظومة بكل حزم. في اليوم الأول، جافاني النوم قليلاً لكنني التزمتُ الفراش حتى تتروض نفسي على السكينة المبكرة. قضيتُ نهاري مجاهدًا للنوم، وما إن صليتُ العشاء حتى شعرتُ أن الوسادة هي الملاذ الأجمل في هذا الكون. غصتُ في أعماق نومٍ ثقيل، غبتُ فيه عن الوعي تمامًا، ولم أستفق إلا والشمس قد ارتفعت في كبد السماء، عقارب الساعة كانت تشير إلى التاسعة صباحًا!
تملكتني الدهشة، وتساءلتُ بغضب: “أين المنبه؟! ألم يعمل؟”. بلى، لقد عمل، ولكن أذناي كانت في غيبة تامة عن سماع رنينه. لقد رُزقتُ بنومٍ من ذلك النوع الذي لا تحركه العواصف. عدتُ إلى الناصحين أشكو حالي، فكانت المشورة بزيادة عدد المنبهات وتنويع نغماتها، فوضعتُ منبهين بجانب رأسي، وكانت النتيجة المخيبة للآمال هي الاستيقاظ في العاشرة صباحًا!
توالت المحاولات وتعددت الأساليب؛ اقترح أحدهم أن يطرق باب منزلي، فقلتُ له إن باب البناية مغلق وأنا في الطابق الثاني، فاتفقنا على أن أترك الباب الرئيسي مفتوحًا ليصعد بعد الأذان ويرن جرس البيت. وفي الصباح، استيقظتُ متأخرًا كالعادة، فعاتبته بمرارة، فأقسم لي أنه ظل يرن الجرس المرة تلو الأخرى حتى أقيمت الصلاة، ولكن لم يكن هناك أي مجيب، وكأن البيت مهجور!
أفكار استثنائية وإجراءات هندسية
وصلتُ إلى مرحلة من اليأس كادت أن تكسر عزيمتي، حتى اقترح عليَّ أحدهم فكرة “الحبل”. ربطتُ قدمي بحبل طويل ودليتُه من الشباك، ليقوم جاري بسحبه بقوة عند الفجر. نجحت الفكرة لثلاثة أيام متتالية، شعرتُ فيها بنشوة النصر، لكن في اليوم الرابع استيقظتُ متأخرًا. وحين سألت جاري، قال بأسى: “لقد سحبتُ الحبل حتى كدتُ أقتلع قدمك، وظننتُ أنك فارقت الحياة من شدة صمتك، فتركتك رعبًا عليك!”.
هنا، قررتُ اللجوء إلى حلٍّ جذري يتجاوز القدرات البشرية المعتادة. توجهتُ إلى مهندس كهربائي وطلبتُ منه تصميم دائرة كهربائية تربط منبهي بجرس ضخم يشبه “أجراس المدارس” التقليدية. كانت الخطة أن يزلزل هذا الصوت أركان الغرفة فلا أجد بدًا من الاستيقاظ. وبالفعل، في اليوم الأول، فزعتُ فزعًا عظيمًا، وسارعتُ لإغلاقه وقلبي يخفق بشدة كاد أن يتوقف من هول الصوت. استمر نجاح هذا الاختراع لعشرة أيام متواصلة، كنتُ فيها أول من يدخل المسجد.
لكن في اليوم الحادي عشر، استيقظتُ في الثامنة صباحًا لأجد كارثةً جديدة. نظرتُ إلى جرس المدرسة فوجدته “متفحمًا”! لقد احترق المحرك الكهربائي من كثرة العمل المتواصل والجرس يرن لساعات دون جدوى. وحين خرجتُ، وجدته جيراني في حالة غضب عارم، يشكون من الفزع الذي أصاب أطفالهم والضجيج الذي لم ينقطع، وأنا في عالم آخر، لا أسمع صياحًا ولا أشعر بطرقاتهم العنيفة على الباب.
الانكسار أمام العجز ورفض الاستسلام
بعد هذه الحادثة، أجمع الجميع على أنني “حالة نادرة” لا علاج لها، وأنني معذورٌ شرعًا بسب هذا النوم المطبق الذي يشبه الغيبوبة. لكن قلبي لم يطاوعني على قبول هذه الفتوى النفسية. كنت أتساءل بوجع: “كيف يرضى قلبي أن أصلي في بيتي كحال النساء بينما الرجال في بيوت الله؟ كيف يطيب لي عيشٌ وصلاة الفجر تفوتني؟”.
قررتُ اتخاذ خطوة جريئة ومجنونة في نظر البعض، لكنها كانت ضرورية في نظري. ذهبتُ إلى المسجد، وصليتُ العشاء، وبينما كان المؤذن يهم بإغلاق الأبواب، تلطفتُ معه وشاغلتُه حتى تسللتُ إلى الداخل ونمتُ في ركنٍ من أركان بيت الله. في الفجر، فوجئ بي المؤذن، وزجرني بشدة محذرًا من تكرار ذلك. وفي اليوم التالي، منعني من الدخول، فما كان مني إلا أن افترشتُ الأرض أمام الباب الخارجي في سواد الليل وبرده، ملتحفًا بالصبر ومتوسدًا حلمي بالصلاة.
حين رآني المؤذن في الفجر نائمًا على العتبات، رقَّ قلبه لشأني وشعر بصدق إرادتي وتفانيَّ في طلب الصلاة. أعطاني نسخة من مفتاح المسجد، وسمح لي بالمبيت في الداخل. استمر هذا الحال خمس سنوات كاملة، لم تفتني فيها تكبيرة الإحرام، وذقتُ خلالها من حلاوة القرب ما لا تصفه الكلمات.
الابتلاء الجديد وميثاق الأسرة المؤمنة
ظننتُ أن الرحلة انتهت، لكنَّ اختبارًا جديدًا كان بانتظاري حين قررتُ الزواج. أخبرتُ زوجتي بصراحة تامة عن معضلتي مع النوم، فكان ردها الصادم أنها هي الأخرى تعاني من نومٍ ثقيل ولا يمكن الاعتماد عليها. شعرتُ حينها بضيق شديد، فالحياة الزوجية تمنعني من المبيت في المسجد، والعودة للبيت تعني العودة لدوامة الفوات.
تذكرتُ كلمات الناس: “أنت معذور، أنت حالة نادرة”، لكني وقفتُ وقفة حزم مع نفسي ومع شريكة حياتي. قلتُ لها بلهجة تجمع بين الحب والغيرة على الدين: “يا زوجتي العزيزة، ديني أغلى عليَّ من كل شيء، وأمامنا خياران لا ثالث لهما؛ إما أن ننفصل لأعود لمبيتي في المسجد حفاظًا على صلاتي، وإما أن نضع نظامًا صارمًا نتقاسم فيه الليل”.
اتفقنا على الحل الثاني؛ حيث تسهر زوجتي حتى منتصف الليل في عبادة وقراءة، بينما أنام أنا، ثم توقظني في منتصف الليل لأقوم أنا بالتهجد والذكر بينما تنام هي، وعندما يحين موعد أذان الفجر، أوقظها لنصلي معًا جماعة. بفضل هذا القرار الحاسم، لم نكسب صلاة الفجر فحسب، بل أكرمنا الله بقيام الليل والذكر في الثلث الأخير، وتحول بيتنا إلى منارة للهدى، ونشأ أبناؤنا وهم يرون والديهم يتناوبون على حراسة الصلاة، ليكون هذا التعبُ طريقنا المأمول إلى جنات النعيم عبر باب الصلاة.

اترك تعليقاً