تونس في مفترق طرق: هل تنجح المعارضة في كسر قيود الانقسام وبناء جبهة ديمقراطية موحدة؟

تونس في مفترق طرق: هل تنجح المعارضة في كسر قيود الانقسام وبناء جبهة ديمقراطية موحدة؟

منذ منعرج 25 يوليو/تموز 2021، دخلت تونس نفقاً سياسياً مظلماً أعاد صياغة المشهد العام بعيداً عن المسار الديمقراطي الذي تشكل بعد الثورة. وبينما تمضي السلطة القائمة في ترسيخ نهج الحكم الفردي عبر المراسيم والمؤسسات الاستشارية، تجد المعارضة نفسها أمام تحدٍ وجودي يفرض عليها تجاوز ترسبات الماضي وصراعات الأيديولوجيا لمواجهة واقع سياسي متأزم.

مشهد سياسي متأزم: بين الاستفراد بالسلطة وتشتت المعارضة

تعيش تونس اليوم حالة من الاستقطاب الحاد؛ فمن جهة، هناك سلطة تسعى لفرض "الأمر الواقع" وتهميش أي دور للأجسام الوسيطة، ومن جهة أخرى، هناك معارضة عانت طويلاً من التشرذم والعداوات البينية. ومع ذلك، بدأت تلوح في الأفق ملامح "ديناميكية جديدة" تحاول كسر الجمود، حيث تسعى أطراف سياسية كانت بالأمس على طرفي نقيض إلى بناء جسور تواصل لمقاومة ما تصفه بـ "الانفراد بالسلطة".

تكتيكات السلطة لإدامة الانقسام

تدرك السلطة تماماً أن قوتها تكمن في ضعف وتشتت خصومها، لذا تتحرك أذرعها الإعلامية والمنصات الرقمية الموالية لها لتعطيل أي تقارب محتمل عبر:

  • إعادة إنتاج "فزاعة" النهضة: عبر شيطنة الحركة وتصوير أي تحالف معها كأنه "خيانة وطنية".
  • نبش ملفات الماضي: استحضار قضايا الاغتيالات السياسية والاتهامات بالفساد لإثارة الريبة بين مكونات المعارضة.
  • الخطاب الإقصائي: استخدام لغة التحريض والشتائم السياسية لتعويم النقاش العام وإبعاده عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية.

من التوازي إلى التلاقي: نحو جبهة ديمقراطية واسعة

تدرك الشخصيات والأحزاب الديمقراطية والعلمانية اليوم أن استمرار الوضع الراهن يعود في جزء كبير منه إلى "تشظي المعارضة" وليس فقط لقوة النظام. هذا الوعي دفع بفاعلين سياسيين ومدنيين نحو البحث عن "أرضية مشتركة" تتجاوز البرامج الحزبية الضيقة وتركز على أولويات وطنية عاجلة، أهمها:

  1. استعادة دولة القانون: العودة إلى المؤسسات الدستورية الشرعية وإنهاء الحكم بالمراسيم.
  2. الحريات العامة: المطالبة بإلغاء "المرسوم 54" الذي أصبح سيفاً مسلطاً على رقاب الصحفيين والمعارضين.
  3. تبييض السجون: وقف الملاحقات القضائية ذات الطابع السياسي وإطلاق سراح الموقوفين.
  4. الحوار الوطني: البحث عن آلية تشاركية تنهي حالة الانسداد السياسي الخانق.

دلالات التحرك في الشارع: رسائل رمزية وواقعية

شكلت المحطات الرمزية، مثل ذكرى 17 ديسمبر، ساحة لاختبار موازين القوى. ورغم محاولات السلطة حشد أنصارها لإثبات شرعيتها الشعبية باستخدام إمكانيات الدولة، إلا أن النتائج جاءت دون التوقعات، مما عكس تآكلاً في الحاضنة الشعبية للمشروع القائم.

في المقابل، سجلت المعارضة الديمقراطية عودة لافتة للشارع بخطاب أكثر نضجاً، حيث انتقلت من "الاصطفاف الأيديولوجي" إلى "الاصطفاف الحقوقي". وأصبح قبول حركة النهضة كجزء من المشهد الديمقراطي – لا كعائق أمامه – مؤشراً على تحول استراتيجي يهدف إلى توسيع جبهة الرفض للاستبداد.

تحدي السرديات: هل هو تقارب ظرفي أم تحالف استراتيجي؟

يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع المعارضة تحويل هذا التقارب إلى جبهة صلبة؟ إن النجاح في هذا المسار مرهون بمعالجة جذور الانقسام، وهو ما يتطلب:

  • تجاوز معركة السرديات: التوقف عن قراءة التاريخ القريب بمنطق الإدانة الشاملة، والاتفاق على أن الصراع الحالي هو بين "الديمقراطية والاستبداد".
  • إدارة الاختلاف: تحويل التعدد الفكري من عنصر تفكك إلى مصدر قوة، بحيث تُحترم الخصوصيات الأيديولوجية ضمن إطار وطني جامع.
  • بناء أفق مشترك: تقديم بديل سياسي واقتصادي يقنع الشارع التونسي بأن التغيير ليس مجرد

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *