منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، ارتبطت أنقرة وواشنطن بتحالف عسكري متين تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن هذا التحالف العسكري لم يمنع العلاقات السياسية من دخول نفق مظلم من التجاذبات والتقلبات الحادة. فبينما يُفترض أن يكون الطرفان شريكين استراتيجيين، كشفت السنوات الأخيرة عن فجوة عميقة وتضارب في المصالح وصل في بعض الأحيان إلى حافة القطيعة الاقتصادية والدبلوماسية.
جذور التوتر: محطات هزت الثقة بين البلدين
لم تكن العلاقة يوماً مفروشة بالورود، لكن ذروة الخلافات تجلت في أحداث مفصلية:
- محاولة انقلاب 2016: اتهمت أنقرة واشنطن بالتورط أو على الأقل التغاضي عن محاولة الانقلاب الفاشلة، مما خلق حالة من الريبة المستمرة.
- أزمة القس برانسون: في ولاية ترامب الأولى، أدى احتجاز القس الأمريكي إلى حرب تجارية مصغرة، حيث فرضت واشنطن رسوماً جمركية تسببت في انهيار الليرة التركية بنسبة 40% عام 2018.
- عقدة "الديمقراطيين": تاريخياً، تميل العلاقات مع الإدارات الديمقراطية نحو الفتور؛ فمنذ عهد أوباما وصولاً إلى بايدن الذي اعترف بـ "إبادة الأرمن" وتعهد بدعم المعارضة، ظلت أنقرة تنظر بريبة إلى أجندة البيت الأبيض.
أزمة التسلح: معضلة الـ S-400 ومقاتلات F-35
تعد قضية الدفاع الجوي حجر العثرة الأكبر في مسار العلاقات. بدأت الأزمة حين رفضت واشنطن تزويد تركيا بمنظومة "باتريوت"، مما دفع أنقرة للتوجه نحو موسكو لشراء منظومة "إس-400".
- العقوبات الأمريكية: ردت واشنطن بفرض عقوبات "كاتسا" وإخراج تركيا من برنامج تصنيع المقاتلة الأحدث عالمياً "إف-35".
- الرؤية التركية: يرى الرئيس أردوغان أن استبعاد بلاده قرار "غير عادل"، خاصة وأن دولاً في الناتو (مثل اليونان وبلغاريا) تمتلك منظومات روسية قديمة دون اعتراض أمريكي.
- السيناريوهات القادمة: تسعى أنقرة لإيجاد مخرج يحفظ أمنها القومي دون خسارة التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، خاصة مع تزايد التهديدات الإقليمية.
صراع الطاقة: الموازنة بين الدب الروسي والمصالح الأمريكية
تعتبر تركيا "ممر طاقة" استراتيجياً، وهي تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي ومشاريع مثل محطة "أكويو" النووية. ومع ذلك، تدرك أنقرة أن إدارة ترامب لن تتساهل مع التمدد الروسي في هذا القطاع.
- الاستدارة نحو الغاز الأمريكي: في خطوة لامتصاص الغضب الأمريكي، رفعت تركيا وارداتها من الغاز المسال من الولايات المتحدة، مع خطط لاستقبال 1500 شحنة خلال العقد القادم.
- تقليل الاعتماد: نجحت أنقرة في خفض حصة الغاز الروسي من 50% إلى أقل من 40%، سعياً لتحقيق توازن يحميها من العقوبات الأمريكية دون الصدام مع موسكو.
قضية "بنك خلق": الملف المالي الشائك
ما تزال قضية "هالك بنك" (Halkbank) تلاحق الحكومة التركية في المحاكم الأمريكية بتهمة التحايل على العقوبات المفروضة على إيران.
- الموقف التركي: تصر أنقرة على أن العقوبات الأمريكية أحادية الجانب وغير ملزمة لها دولياً.
- الأثر الاقتصادي: تمثل القضية تهديداً لسمعة النظام المالي التركي، ويأمل أردوغان أن تساهم علاقته الشخصية بترامب في إيجاد تسوية قانونية أو سياسية لهذا الملف.
غزة وأوكرانيا: تركيا كلاعب محوري ووسيط لا غنى عنه
رغم الخلافات، تبرز حاجة واشنطن لأنقرة في ملفات النزاع الدولية:
- الوساطة في أوكرانيا: أثبتت تركيا أنها الطرف الوحيد القادر على محاورة موسكو وكييف معاً، وهو ما تجلى في "اتفاق


اترك تعليقاً