منذ اللحظة الأولى التي تفتح فيها صفحات كتاب "بعد الهمجية" (After Barbarism) للمفكر الإيراني الأمريكي حميد دباشي، تدرك أنك لست أمام مجرد سرد توثيقي أو تحليل سياسي عابر، بل أمام "حساب فلسفي" عسير ومطول. الكتاب الذي صدر حديثاً عن منشورات "هايماركت بوكس"، يمثل امتداداً لمشروع دباشي في تفكيك المركزية الأوروبية، وهو المشروع الذي بدأه بصرخته الشهيرة "هل يستطيع غير الأوروبيين التفكير؟".
في هذا العمل، يتجاوز دباشي حدود النقد الأكاديمي التقليدي ليجعل من غزة نقطة ارتكاز معرفية (إبستمولوجية)، معتبراً إياها "كاشفة الحقيقة" التي لم تفضح الممارسات العسكرية فحسب، بل أسقطت الأقنعة عن أعتى المدارس الفلسفية الغربية.
غزة: التحول الإبستيمي في وجه "العمى التاريخي"
يرى حميد دباشي، أستاذ الأدب المقارن بجامعة كولومبيا، أن غزة اليوم تمثل "تحولاً إبستيمياً" في وعينا الكوني. إنها المواجهة الكبرى التي تضع الفكر النقدي الأوروبي أمام مرآة عيوبه البنيوية، ومراوغاته السياسية، وحدوده العرقية الضيقة.
أبرز ملامح أطروحة دباشي في الكتاب:
- إنكار إنسانية "الآخر": يجادل دباشي بأن غير الأوروبيين لا يزالون، في مخيال الفلسفة الغربية، كائنات غير مكتملة البشرية.
- العجز عن مواجهة الاستعمار: الفكر الذي بشر بالتحرر يظهر عاجزاً بنيوياً عندما يتعلق الأمر بالعنف الاستعماري الممارس ضد شعوب الجنوب.
- الكونية الزائفة: ما يسوقه الغرب كـ "قيم كونية" ليس سوى خطاب قبلي محلي فُرض على العالم بقوة السلاح والهيمنة.
فضيحة مدرسة فرانكفورت: عندما يسقط "العقل النقدي"
يفرد دباشي مساحة واسعة لنقد مدرسة فرانكفورت، وخصوصاً قطبيها ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر. الكتاب يكشف عن تناقض صارخ؛ فهؤلاء الذين شخّصوا استبداد العقل التنويري، سقطوا في فخ "التمركز الأوروبي" المشين.
يستحضر دباشي مواقف تاريخية مخزية، مثل دفاع أدورنو وهوركهايمر عن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ووصفهما لجمال عبد الناصر بـ "الزعيم القبلي الفاشي". يتساءل دباشي بمرارة: لماذا يُحرم القائد العربي من سياقه السياسي ليُحشر في وصف إثنوغرافي مهين، بينما تُعامل الفاشيات الأوروبية كظواهر سياسية؟
اقتباس من الكتاب: "لقد رأى أدورنو وهوركهايمر في أوروبا وأمريكا ذروة العدالة التاريخية، في وقت كانت فيه الإمبراطوريات الأوروبية تمارس أبشع أنواع النهب والإبادة في مستعمراتها."
هابرماس والاتساق مع العنف
لا يكتفي دباشي بنقد الرواد، بل يمتد نصله إلى يورغن هابرماس. يرى دباشي أن دعم هابرماس للسياسات الإسرائيلية ليس "هفوة" أو خيانة لمبادئه، بل هو "تحقيق" لتلك المبادئ وتعبير عن اتساقها الداخلي. فالفلسفة التي أسست لعزل "غير العقلانيين" (بمنظورها) قادرة دوماً على تبرير محوهم من الوجود دون الشعور بتناقض أخلاقي.
لماذا يجب "أنسنة" الفلسفة الغربية أنثروبولوجياً؟
يقترح الكتاب انقلاباً منهجياً جذرياً:
- نزع القداسة: التوقف عن اعتبار الفلسفة الغربية "مرجعاً كونياً".
- المنظور الأنثروبولوجي: التعامل مع الفكر الأوروبي كـ "رؤية محلية" تشكلت بناءً على مخاوف ومصالح إمبريالية.
- الفحص النقدي: إخضاع التراث الفلسفي الغربي لنفس أدوات الفحص التي أخضع بها الأنثروبولوجيون الأوروبيون شعوب أفريقيا وآسيا.
فلسفة التحرر: التفكير "من" موقع الضحية
في مقابل العجز الغربي، يستدعي دباشي إرث المفكر الأرجنتيني إنريكي دوسيل، صاحب "فلسفة التحرر". يرى دوسيل أن الحداثة الغربية لم تكن لتوجد لولا "نزع الإنسانية" عن الآخر وتحويله إلى مادة خام.
جوهر التغيير المطلوب حسب دباشي ودوسيل:
- تغيير الموقع: التوقف عن التفكير


اترك تعليقاً