في فجر الثالث من يناير/كانون الثاني 2026، استيقظ العالم على مشهد درامي أعاد صياغة مفاهيم القوة والشرعية الدولية؛ حيث نفذت القوات الأمريكية عملية اعتقال بحق الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو" وزوجته. هذا الحدث لم يكن مجرد إجراء قانوني أو أمني عابر، بل تحول إلى شرارة فجرت نقاشاً عالمياً محتدماً حول حدود "السيادة الوطنية" وجدوى "القانون الدولي" في عصر تهيمن عليه القوة الغاشمة، وتتحكم في مساراته أطول أذرع الرأسمالية الاحتكارية الغربية.
سوابق تاريخية وقانون تحت المجهر
لم تكن واقعة اعتقال رئيس على رأس عمله بدعة أمريكية جديدة، بل هي امتداد لإستراتيجية "القبضة العابرة للحدود". فالتاريخ الحديث يذكرنا بوقائع مشابهة:
- مانويل نورييغا (1989): اعتقال رئيس بنما بتهم تتعلق بالمخدرات.
- أورلاندو هيرنانديز (2022): اعتقال رئيس هندوراس السابق، والذي نال عفواً رئاسياً من ترامب في أواخر 2025.
- نيكولاس مادورو (2026): الذي واجه تهماً جنائية بالاتجار الدولي بالمخدرات أمام محكمة في نيويورك.
هذه التحركات تضعنا أمام تساؤل جوهري: هل يتمتع رؤساء الدول بحصانة حقيقية؟ القانون الدولي يؤكد هذه الحصانة، ولا يجيز كسرها إلا عبر آليات معترف بها مثل المحكمة الجنائية الدولية. أما التدخل الأمريكي المباشر دون تفويض من مجلس الأمن، أو حتى إخطار الكونغرس، فيعد خرقاً ليس فقط للقانون الدولي، بل للدستور الأمريكي نفسه.
المحرك الخفي: صراع النفط وانهيار "البترودولار"
خلف الستار القانوني والاتهامات الجنائية، تكمن الحقيقة الاقتصادية المتمثلة في "الرأسمالية الاحتكارية". فنزويلا ليست مجرد دولة في أمريكا اللاتينية، بل هي صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (أكثر من 303 مليارات برميل)، وهو ما يتجاوز احتياطات السعودية.
لماذا يمثل مادورو تهديداً لواشنطن؟
- التمرد على الدولار: أعلنت كاراكاس في 2018 نيتها التحرر من الهيمنة الأمريكية عبر قبول "اليوان الصيني" ثمناً لنفطها.
- نظام "سيبس" الصيني: التخلي عن نظام "سويفت" العالمي واللجوء للبديل الصيني الذي يضم آلاف البنوك.
- التقارب مع "بريكس": السعي للانضمام إلى تكتل يضم الصين وروسيا، مما يعني شللاً محتملاً لقدرة واشنطن على استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية.
التنين الصيني والدب الروسي: جبهة الرفض
لم يمر الحادث مرور الكرام على القوى الصاعدة؛ فقد أدانت موسكو وبكين العملية واعتبرتها تهديداً مباشراً للسلم العالمي وانتهاكاً صارخاً للسيادة. هذا الانقسام يعكس مرحلة جديدة من المنافسة الجيوسياسية غير المقيدة، حيث تسعى الولايات المتحدة لكبح جماح الصعود الصيني الذي يتمدد في "دول الجنوب" عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية.
الاقتصاد الأمريكي: أزمات داخلية وطموحات خارجية
تعيش الولايات المتحدة ضغوطاً اقتصادية متزايدة، حيث تشير تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) إلى تباطؤ النمو وتأثيرات سلبية للرسوم الجمركية المرتفعة. وفي ظل استنزاف الخزينة الأمريكية لنحو 8 تريليونات دولار في حروب الشرق الأوسط، تصبح السيطرة على موارد الطاقة العالمية ضرورة حيوية لحماية التفوق الغربي وضمان استمرار النظام المالي القائم على الدولار.
الواقع الفنزويلي: هشاشة الداخل التي استدعت الخارج
لا يمكن إلقاء اللوم بالكامل على التدخل الخارجي؛ فالمناخ السياسي والاجتماعي في فنزويلا ساهم في تهيئة الظروف لهذا الانهيار:
- انهيار الإنتاج: تراجع إنتاج النفط من 3.5 ملايين برميل يومياً إلى أقل من مليون بسبب سوء الإدارة والفساد.
- أزمة إنسانية: يعيش أكثر من 70% من الشعب تحت خط الفقر، مما دفع الملايين للهجرة القسرية.
- اقتصاد الريع: الاعتماد الكلي على النفط جعل الدولة هشة أمام أي تقلبات سياسية أو عقوبات دولية.


اترك تعليقاً