دخلت العلاقات البريطانية الأوروبية منعطفاً جديداً من التعقيد، حيث كشفت تقارير صحفية دولية عن شروط صارمة يضعها الاتحاد الأوروبي على طاولة المفاوضات الحالية. تهدف هذه الشروط إلى ضمان استقرار أي اتفاقيات تجارية مستقبلية ومنع تكرار سيناريو "الانسحاب المفاجئ" الذي قد تعصف به التقلبات السياسية في لندن.
شرط "التعويض المالي": تأمين أوروبي ضد المجهول
وفقاً لما أوردته صحيفة "فايننشال تايمز"، طالبت المفوضية الأوروبية بوضع بند قانوني صريح في مشروع الاتفاق الجديد الذي يهدف إلى "إعادة ضبط" العلاقات التجارية. هذا البند يلزم الحكومة البريطانية بدفع تعويضات مالية ضخمة في حال قررت أي حكومة بريطانية مستقبلية الانسحاب من الاتفاق.
ماذا يشمل هذا التعويض؟
حسب مسودة الاتفاق، لن تكون الغرامة مجرد رقم رمزي، بل يجب أن تغطي تكاليف ملموسة تشمل:
- إنشاء وتطوير البنية التحتية اللازمة لتسهيل التجارة.
- تكاليف المعدات التقنية واللوجستية.
- ميزانيات التوظيف والتدريب التي سيتحملها الجانب الأوروبي لتنفيذ الاتفاق.
"فوبيا فاراج": لماذا يخشى الأوروبيون انتخابات 2029؟
لا ينبع التشدد الأوروبي من فراغ، بل هو نتاج مخاوف سياسية عميقة من صعود التيارات اليمينية المتشددة. يرى المسؤولون في بروكسل أن تقدم نايجل فاراج، زعيم حزب "الإصلاح"، في استطلاعات الرأي يمثل تهديداً مباشراً لاستدامة أي اتفاق.
ويعتبر فاراج، الذي كان المحرك الرئيسي لحملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، أن أي تقارب تجاري يقوده رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر هو بمثابة "خيانة" لإرادة الناخبين الذين صوتوا لصالح "بريكست". وبناءً عليه، تعهد فاراج وحزب المحافظين بإلغاء أي اتفاقيات جديدة إذا ما وصلوا إلى السلطة في الانتخابات القادمة، مما دفع أوروبا للإصرار على "ثمن مالي" باهظ للانسحاب لجعل هذه الخطوة صعبة التنفيذ سياسياً واقتصادياً.
كير ستارمر.. رقصة دقيقة على حبال "بريكست"
من جانبه، يسعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى تحقيق توازن صعب؛ فهو يرغب في تسهيل إجراءات تصدير الأغذية والمشروبات البريطانية وتخفيف القيود الجمركية التي أرهقت الشركات منذ 2020، لكنه في الوقت ذاته يواجه ضغوطاً من جبهتين:
- الجبهة الداخلية (حزب العمال): يضغط وزراء بارزون مثل وزير الصحة ويس ستريتيغ ونائب رئيس الوزراء ديفيد لامي من أجل انضمام بريطانيا إلى "الاتحاد الجمركي الأوروبي" بشكل كامل لضمان تدفق السلع بلا قيود.
- الموقف الرسمي للحكومة: يفضل ستارمر حتى الآن بناء علاقة قوية "خارج" الاتحاد الجمركي لتجنب إثارة غضب الناخبين الذين يرفضون العودة للتبعية الأوروبية، وهو موقف وصفه البعض داخل حزبه بأنه "مخيب للآمال".
رؤية اقتصادية: هل الاتحاد الجمركي هو الحل؟
أعاد ويس ستريتيغ، المرشح القوي لخلافة ستارمر مستقبلاً، طرح فكرة العودة للاتحاد الجمركي كحل عملي. ويرى ستريتيغ أن هذا الخيار يوفر ميزتين استراتيجيتين:
- اقتصادياً: يضمن انسيابية كاملة للبضائع والسلع دون تعقيدات حدودية.
- سياسياً: لا يتطلب العودة لسياسة "حرية انتقال الأفراد"، وهي النقطة التي كانت سبباً جوهرياً في تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد.
الخاتمة: مستقبل التجارة بين المطرقة والسندان
بينما تحاول حكومة ستارمر "تخفيف" تبعات البريكست القاسية، تضع أوروبا سياجاً من الشروط المالية لحماية مصالحها. تظل التساؤلات قائمة: هل ستقبل لندن دفع "ثمن التأمين" هذا؟ وهل سينجح ستارمر في إقناع الداخل البريطاني بأن هذه التعويضات هي ضريبة ضرورية لاستعادة الاستقرار الاقتصادي؟
الأيام القادمة ومسار المفاوضات في بروكسل ستكشف ما إذا كانت بريطانيا ستختار "السيادة الكاملة" مع العزلة التجارية، أم "الشراكة المقيدة" بضمانات مالية.


اترك تعليقاً