مقدمة: البحث عن الخيط المفقود في متاهة ألزهايمر
يعد مرض ألزهايمر أحد أكبر التحديات الصحية التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين، حيث يظل التشخيص المبكر هو “الكأس المقدسة” التي يسعى إليها العلماء حول العالم. ففي الوقت الذي تبدأ فيه الأعراض السريرية بالظهور، يكون الضرر الذي لحق بخلايا الدماغ قد وصل بالفعل إلى مراحل متقدمة يصعب التراجع عنها. ومع ذلك، بفضل بحث جديد ومبتكر من جامعة براون بالتعاون مع معهد كارني لعلوم الدماغ، بدأ الستار يزاح عن إشارات كهربائية خفية قد تشكل مفتاحاً لتوقع المرض قبل عامين ونصف من تشخيصه رسمياً.
تركز الدراسة على مرحلة حرجة تسمى “التدهور المعرفي البسيط” (Mild Cognitive Impairment – MCI)، وهي منطقة رمادية بين الشيخوخة الطبيعية وفقدان الذاكرة الحاد. ليس كل من يعاني من هذا التدهور سيصاب بالضرورة بألزهايمر، ومن هنا تنبع الأهمية الاستثنائية لهذا الكشف؛ إذ يوفر أداة دقيقة للتمييز بين الحالات المستقرة وتلك المتجهة نحو التدهور الحاد.
تفاصيل الدراسة: تتبع النبضات الكهربائية في “فترة الهدوء”
انطلق الفريق البحثي، بقيادة الدكتورة ستيفاني جونز، أستاذة العلوم العصبية في جامعة براون، في رحلة علمية بالتعاون مع جامعة كومبليتنسي في مدريد. شملت الدراسة مراقبة 85 شخصاً تم تشخيصهم بالتدهور المعرفي البسيط. ولتحقيق أقصى قدر من الدقة، استخدم الباحثون تقنية “تخطيط مغناطيسية الدماغ” (Magnetoencephalography – MEG)، وهي وسيلة غير جراحية متطورة للغاية ترصد النشاط المغناطيسي الناتج عن التيارات الكهربائية في الدماغ.
المثير في منهجية الدراسة هو أن التسجيلات تمت بينما كان المشاركون في حالة راحة تامة وعيونهم مغلقة. وفي هذه اللحظات من الصمت الذهني، كانت الدارات العصبية ترسل إشارات “بيتا” (Beta Frequency) – وهي ترددات مرتبطة تقليدياً بعمليات الذاكرة والتركيز. ومن خلال متابعة المشاركين لعدة سنوات، استطاع الفريق ملاحظة نمط واضح يفصل بين من أصيبوا بألزهايمر لاحقاً ومن بقيت حالتهم مستقرة.
ابتكار تقني: أداة “صندوق أحداث الطيف” (Spectral Events Toolbox)
لطالما واجه علماء الأعصاب مشكلة في تحليل بيانات تخطيط الدماغ؛ فالمناهج التقليدية تعتمد على “متوسط الإشارات”، مما يؤدي إلى طمس التفاصيل الدقيقة للسلوك العصبي الفردي. لتجاوز هذه العقبة، طور فريق جامعة براون أداة حاسوبية ثورية تسمى “صندوق أحداث الطيف” (Spectral Events Toolbox).
تعمل هذه الأداة على تفكيك النشاط الدماغي إلى “أحداث” منفصلة، مما يسمح للعلماء بمعرفة متى تظهر الإشارة، وعدد مرات تكرارها، ومدى قوتها، ومدة استمرارها. ووفقاً للدكتورة دانيلينا شباكيفسكا، المؤلفة الأولى للدراسة، فقد أظهرت النتائج أن المرضى الذين تطوروا نحو ألزهايمر أنتجوا إشارات “بيتا” بمعدل أقل، وبمدة أقصر، وبقوة أضعف بكثير مقارنة بغيرهم، وذلك قبل سنتين ونصف من التشخيص الرسمي.
لماذا ترددات “بيتا” تحديداً؟
تعتبر موجات “بيتا” (التي تتراوح عادة بين 13 إلى 30 هرتز) ضرورية لتنسيق الاتصال بين مناطق الدماغ المختلفة المسؤولة عن الوظائف التنفيذية والذاكرة. الضعف في هذه الموجات لا يشير فقط إلى وجود خلل في الخلايا العصبية الفردية، بل يعكس اضطراباً في “السمفونية” العصبية الشاملة التي تسمح للدماغ بتخزين المعلومات واسترجاعها.
الأهمية العلمية: لماذا تعد هذه الإشارة “ثورة” في تشخيص الخرف؟
حتى الآن، تعتمد العلامات الحيوية (Biomarkers) الأكثر شيوعاً لألزهايمر على اكتشاف بروتينات “أميلويد بيتا” و”تاو” في السائل الشوكي أو عبر فحوصات الدم. ورغم دقة هذه الفحوصات في رصد وجود البروتينات الضارة، إلا أنها لا تعطي صورة مباشرة عن كيفية استجابة خلايا الدماغ لهذا الضرر.
يوضح ديفيد زو، الباحث في مختبر الدكتورة جونز، أن الميزة الكبرى لهذا الكشف تكمن في كونه “وظيفياً” وليس “بنيوياً” فقط. فالبروتينات هي مجرد تراكمات، لكن الإشارات الكهربائية هي لغة التواصل الحية بين الخلايا. رصد التغير في هذه اللغة يعني أننا نراقب المرض وهو يعطل العمليات الحيوية للدماغ في الوقت الفعلي، مما يوفر رؤية أعمق بكثير لحالة المريض العصبية.
التداعيات المستقبلية: نحو علاج استباقي ونمذجة دقيقة
لا تتوقف طموحات الفريق عند التشخيص فقط. فبمجرد تأكيد هذه النتائج من خلال دراسات أوسع، يمكن للأطباء استخدام أداة (Spectral Events Toolbox) في العيادات كجزء من الفحوصات الروتينية لتقييم خطر الإصابة. كما يمكن استخدامها لمراقبة مدى فعالية العلاجات الجديدة؛ فإذا نجح دواء معين في تحسين جودة وقوة إشارات “بيتا”، سيكون ذلك دليلاً قوياً على نجاعة العلاج.
الخطوة التالية في البحث، والمدعومة بجائزة “زيمرمان للابتكار”، ستشمل استخدام أدوات “النمذجة العصبية الحاسوبية”. الهدف هو إعادة إنشاء الخلل الذي يحدث في الدماغ داخل بيئة افتراضية. وبمجرد أن يفهم العلماء كيف ولماذا تضعف إشارات بيتا، سيكون بمقدورهم اختبار علاجات ومركبات دوائية قادرة على “تصحيح” هذه الإشارات واستعادة كفاءة الدوائر العصبية قبل فوات الأوان.
خاتمة: أمل جديد في أفق الطب العصبي
إن الكشف عن هذه “الشيفرة الخفية” في نشاط الدماغ يمثل تحولاً جوهرياً من سياسة رد الفعل إلى سياسة الاستباق في مواجهة ألزهايمر. فبدلاً من انتظار ظهور علامات النسيان والارتباك، قد نتمكن قريباً من التدخل الطبي بناءً على “همسات” كهربائية خافتة تصدر من الدماغ. هذا البحث لا يفتح باباً جديداً للتشخيص فحسب، بل يمنح ملايين العائلات حول العالم أملاً في مستقبل يمكن فيه ترويض هذا المرض العضال قبل أن يسلب المصابين به هويتهم وذكرياتهم.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً