تشهد منطقة شرق حلب تحولات ميدانية متسارعة تضع القوى المتصارعة أمام استحقاقات عسكرية معقدة. وفي قراءة تحليلية معمقة للمشهد، سلط الخبير العسكري والإستراتيجي، اللواء فايز الدويري، الضوء على المعضلة الأمنية التي تواجهها المنطقة، وتحديداً في مثلث (دير حافر، الطبقة، ومسكنة)، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع ملفات حيوية تمس حياة الملايين.
دير حافر: العقدة الجغرافية ومفتاح أمن حلب
لم تكن دير حافر وما حولها مجرد نقاط على الخريطة، بل هي وفقاً للواء الدويري، عمق إستراتيجي يتحكم في أمن مدينة حلب بشكل مباشر. السيطرة الحالية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على هذه المناطق تمنحها أفضلية ميدانية تضع توازنات الشمال السوري على المحك، مما يفرض على الجيش السوري ضرورة التعامل مع هذا الواقع كأولوية قصوى لتأمين محيط حلب الشرقي.
سلاح المياه: "شريان الحياة" كأداة للضغط السياسي
تجاوز الصراع في شرق حلب الأبعاد العسكرية التقليدية ليصل إلى "أمن الموارد". وأوضح الدويري أن خطورة تمركز قوات "قسد" تكمن في سيطرتها على نقاط مفصلية مرتبطة بنهر الفرات، أبرزها:
- سد الطبقة وسد تشرين: المنشآت المائية الأضخم في المنطقة.
- مضخات المياه الرئيسية: التي تمثل المصدر الوحيد لتغذية مدينة حلب بالمياه الصالحة للشرب.
هذه السيطرة تحول ملف المياه إلى ورقة ضغط إنسانية واقتصادية رابحة، يمكن استخدامها في أي جولات تفاوضية أو مواجهات ميدانية مفتوحة، مما يجعل استعادتها هدفاً حيوياً لا يحتمل التأجيل.
التحول الجذري: "قسد" من تشكيلات محلية إلى جيش نظامي
في تقييمه لميزان القوى، أشار اللواء الدويري إلى أن قوات "قسد" لم تعد مجرد ميليشيات مشتتة، بل تطورت بفضل الدعم الأمريكي المستمر لسنوات لتصبح قوة عسكرية منظمة تمتلك:
- ترسانة ثقيلة: تشمل الدبابات، المدرعات، وناقلات الجند.
- قدرات لوجستية: آليات دفع رباعي وأسلحة متوسطة متطورة.
- عقيدة قتالية: تتبنى إستراتيجية دفاعية صلبة تعتمد على حماية خطوطها وصولاً إلى ضفاف الفرات.
إستراتيجية "المانع المائي": خطة الجيش السوري المنشودة
من منظور عسكري بحت، يرى الدويري أن أي تحرك ناجح للجيش السوري يجب أن يهدف إلى الوصول إلى نهر الفرات واتخاذه كحاجز طبيعي. تحقيق هذا الهدف يتطلب:
- إجبار قوات "قسد" على التراجع إلى شرق وشمال النهر.
- عزل مدينة حلب تماماً عن أي تهديدات صاروخية أو ميدانية من جهة الشرق.
- تعزيز الانتشار العسكري بمناورات ميدانية واسعة تتناسب مع المسافات الطويلة، حيث تبعد دير حافر عن حلب نحو 56 كم، بينما تمتد الجبهة المستهدفة إلى نحو 100 كم وصولاً للطبقة.
آفاق التغيير: هل ترفع واشنطن يدها عن "قسد"؟
ختم اللواء الدويري تحليله بربط الميدان بالسياسة الدولية، مشيراً إلى أن المعادلة الأمريكية تجاه "قسد" لم تعد كما كانت في السابق. تراجع الأفضلية المطلقة التي كانت تمنحها واشنطن لهذه القوات قد يفتح ثغرة في جدار الصراع، مما يمهد الطريق لتغييرات تدريجية في ميزان القوى على الأرض، وربما إعادة رسم خريطة السيطرة في الشمال السوري برمته.
الوسوم: #سوريا #حلب #دير_حافر #قسد #الجيش_السوري #فايز_الدويري #تحليل_عسكري #نهر_الفرات #أمن_المياه


اترك تعليقاً