مأساة نازحي مخيم طولكرم: بين قسوة الشتاء ومرارة التشريد.. قصص من واقع أليم

مأساة نازحي مخيم طولكرم: بين قسوة الشتاء ومرارة التشريد.. قصص من واقع أليم

بينما يستقبل العالم فصل الشتاء كفصل للدفء والاجتماعات العائلية، يواجه المئات من أهالي مخيم طولكرم في شمال الضفة الغربية واقعاً مغايراً تماماً. فبعد عام كامل من النزوح القسري والتشتت الناتج عن الاقتحامات العسكرية المستمرة، يجد النازحون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع "عدو" جديد: البرد القارس والمنخفضات الجوية التي لا ترحم أجسادهم المتعبة ولا خيامهم المتهالكة.

أرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية

تشير التقديرات الصادرة عن لجنة خدمات مخيم طولكرم إلى أن الهجمات العسكرية الأخيرة تسببت في نزوح نحو 1700 مواطن من المخيم وحده، وهم جزء من مأساة أكبر تشمل قرابة 15 ألف نازح من مختلف مخيمات المحافظة.

توزعت هذه العائلات في مناطق محيطة مثل ضواحي "اكتابا"، "ارتاح"، و"ذنابة"، حيث يفتقر أغلبهم لأدنى مقومات الحياة الكريمة، ويواجهون ظروفاً سكنية وصحية بالغة التعقيد.


قصص من قلب المعاناة: حين يصبح "المأوى" غرفة ضخ مياه

تتجسد قسوة الواقع في قصة حسام حبالي (61 عاماً)، الذي لم يكتفِ الاحتلال بتهجيره، بل أدى ضيق الحال وعجزه عن سداد الإيجار إلى تشتت شمل أسرته.

  • تشتت عائلي: تضطر زوجته وابنته للعيش في بيت جدها، بينما يعيش ابنه المتزوج مع أصهاره.
  • سكن غير آدمي: انتهى المطاف بحسام وابنه الصغير في "غرفة ملحقة بمحطة ضخ مياه"، تفتقر للأبواب والنوافذ المحكمة.
  • بيئة متهالكة: يتشارك 7 أشخاص مساحة ضيقة جداً، حيث تتسرب المياه من دورة مياه تالفة، ويفتقر المكان للأثاث والأغطية الكافية.
  • تحديات صحية: يعاني حسام من شلل أطفال وجلطة سابقة، مما يجعل العيش في مكان رطب وبارد تهديداً مباشراً لحياته، خاصة مع حاجته لجهاز طبي للمشي.

"غرف الزينكو".. ثلاجات بشرية في مواجهة الصقيع

لا يختلف حال مادلين غانم، الأم لستة أطفال، والتي هدم الاحتلال منزلها المكون من ثلاثة طوابق. تعيش مادلين اليوم مع عائلتها المكونة من 8 أفراد في غرفة ضيقة جداً مبنية من الطوب ومسقوفة بألواح الصفيح (الزينكو).

واقع مرير تحت سقف الصفيح:

  1. انعدام العزل الحراري: تتحول الغرفة مع اشتداد البرد إلى ما يشبه "الثلاجة"، حيث لا يوفر الصفيح أي حماية من تدني درجات الحرارة.
  2. خطر الاختناق: يضطرون لإشعال الحطب داخل الغرفة للتدفئة، مما يجبرهم على فتح النوافذ لتصريف الدخان، ليدخل البرد مجدداً في حلقة مفرغة من المعاناة.
  3. تدهور صحة الأطفال: ابنتها الصغرى (3 سنوات) تعاني من أمراض متكررة بسبب البرد والرطوبة.
  4. صعوبات النظافة: تتحول الأرضية المحيطة بالمسكن إلى وحل عند هطول الأمطار، مما يجعل الحفاظ على نظافة الأطفال ومكان السكن مهمة شبه مستحيلة.

واقع السكن: جدران بلا روح وأغطية بلا دفء

يوضح الناشط والمتطوع في لجنة الخدمات، طيب طوير، أن الظروف التي يعيشها النازحون "تتجاوز القدرة البشرية على التحمل". ومن أبرز ملامح هذه المعاناة:

  • بيوت قيد الإنشاء: تسكن العديد من العائلات في مبانٍ غير مكتملة، يغلقون فتحات الأبواب والنوافذ بالنايلون أو البطانيات.
  • غياب الخدمات الأساسية: تفتقر معظم هذه المساكن لشبكات المياه والكهرباء، مع عجز العائلات عن دفع تكاليف الربط الباهظة.
  • مخاطر بيئية: يواجه النازحون خطر دخول الزواحف والحيوانات الضالة إلى أماكن إيوائهم المفتوحة.

فشل حلول التدفئة التقليدية

أشار طوير إلى أن حملات توزيع المدافئ الكهربائية لم تحقق هدفها؛ فالفاقة الشديدة دفعت بعض العائلات لبيعها لشراء الطعام أو شحن عدادات الكهرباء، بينما يعجز الآخرون عن تشغيلها أصلاً بسبب انقطاع التيار أو عدم قدرتهم على دفع الفاتورة، ليبقى "إشعال الحطب" هو الوسيلة الوحيدة والخطيرة المتاحة.


نداء استغاثة صامت

تظل فئتا الأطفال وكبار السن هما الحلقة الأضعف في هذه المأساة الإنسانية. فهم لا يفتقرون فقط للدواء والغذاء، بل يفتقرون لأبسط حقوقهم في الأمان والدفء. ومع استمرار تجاهل هذه المعاناة، تظل مئات العائلات في طولكرم تنتظر حلاً ينهي فصول نزوحهم، أو على الأقل، سقفاً يحميهم من زمهرير الشتاء

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *