خلف الأقنعة الجندرية: العلم يكشف زيف أسطورة “المرأة العاطفية” و”الرجل العقلاني”

خلف الأقنعة الجندرية: العلم يكشف زيف أسطورة “المرأة العاطفية” و”الرجل العقلاني”

لطالما رسمت الثقافة المجتمعية صوراً نمطية جامدة تقسم الأدوار بين الجنسين؛ فصوّرت الرجل في ثوب الحكيم المتروي الذي يحكّم عقله في أدق التفاصيل، بينما وصمت المرأة بأنها كائن تقوده الانفعالات وتتحكم في قراراته العواطف الجياشة. ولكن، هل تصمد هذه التصورات أمام مجهر البحث العلمي؟ وما الذي تقوله الدراسات الحديثة عن طبيعة المشاعر والقدرات الذهنية لكل من الجنسين؟

في هذا المقال، نستعرض الحقائق العلمية التي تعيد صياغة فهمنا للاختلافات البشرية، بعيداً عن الموروثات التقليدية.

العلم يتحدث: لا احتكار للاستقرار العاطفي

لسنوات طويلة، استُخدمت "الهرمونات الأنثوية" كشماعة لتفسير تقلبات المزاج لدى النساء، لكن دراسة محورية نُشرت في عام 2021 في مجلة "ساينتفك ريبورتس" (Scientific Reports) قدمت نتائج صادمة للمجتمع.

تابعت الدراسة 142 شخصاً على مدار 75 يوماً، لترصد بدقة تذبذب مشاعرهم. وكانت النتيجة أن مشاعر الرجال تتذبذب وتتغير بنفس الوتيرة والحدة التي تمر بها النساء. هذا يعني أن "الثبات الانفعالي" ليس صفة بيولوجية فطرية لدى الرجال، بل هو تصور ذهني لا يدعمه الواقع التجريبي.

الدورات الهرمونية.. ليست حكراً على النساء

تشير أبحاث من جامعة ميشيغان إلى حقيقة يغفل عنها الكثيرون: الرجال يمرون أيضاً بدورات هرمونية وتقلبات مزاجية يومية وشهرية. الفرق الجوهري لا يكمن في وجود هذه التقلبات، بل في كيفية التعاطي المجتمعي معها؛ فبينما يتم تسليط الضوء على الدورة الشهرية للمرأة وتضخيم أثرها، يتم تجاهل التغيرات الهرمونية للرجل، مما يخلق وهماً زائفاً بالاستقرار الدائم للذكور.

التوظيف السياسي والاجتماعي للعاطفة

ترى الباحثة كاثرين ماكينلي من جامعة "تولين" أن وراء هذه القوالب النمطية أهدافاً تتعلق بالسلطة. فالنظام الأبوي سعى تاريخياً لتصوير الرجل ككائن "غير عاطفي" لشرعنة احتكاره لمناصب القيادة واتخاذ القرار. في المقابل، يتم التقليل من شأن مشاعر النساء للتشكيك في كفاءتهن وقدرتهن على الإدارة.

هذا التنميط لا يظلم المرأة فحسب عبر إقصائها، بل يمتد أثره السلبي للرجل أيضاً، حيث يُجبر على كبت إنسانيته وإخفاء مشاعر الحزن أو الضعف، مما يؤدي إلى:

  • ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية المكتومة.
  • صعوبة في بناء علاقات إنسانية عميقة وصادقة.
  • ضغط عصبي مستمر ناتج عن تمثيل دور "الصلابة المطلقة".

ازدواجية المعايير في التعبير عن المشاعر

توضح المتخصصة في علم النفس السريري، ليز كولكلوف، أن المجتمع يمارس انتقائية غريبة؛ فهو يسمح للمرأة بالبكاء لكنه يستهجن غضبها، بينما يتقبل غضب الرجل كدليل على القوة والسيطرة. هذا التمييز يسهم في خلق بيئة تشرعن العنف وتضعف مهارات الذكاء العاطفي لدى الرجال، حيث ينشأ الصبية على فكرة أن الاهتمام بالمشاعر "ضعف أنثوي"، مما يفقدهم القدرة على التواصل السلمي وحل النزاعات بمرونة.

الحقيقة العصبية: الدماغ "أحادي الجنس" عاطفياً

من الناحية التشريحية، حسمت المراجعات العلمية الشاملة الجدل. فقد أظهرت دراسات نُشرت في دورية "نيوروساينس آند بيوبيهيفيورال ريفيوز"، بعد فحص آلاف الصور الدماغية، أنه لا توجد فروق جوهرية بين الجنسين في حجم "اللوزة الدماغية" (المسؤولة عن العواطف) عند مراعاة حجم الدماغ الكلي.

هذا الاكتشاف يؤكد أن الدماغ البشري لا يتمايز عاطفياً بناءً على الجنس، وأن الاختلافات السلوكية التي نراها هي نتاج "البرمجة الاجتماعية" والبيئة المحيطة، وليست قدراً بيولوجياً محتوماً.

لماذا يجب أن نحطم هذه الأساطير؟

إن التحرر من أسطورة "المرأة العاطفية" و"الرجل العقلاني" يحقق مكاسب كبرى للمجتمع، منها:

  1. تمكين الكفاءات: تقييم الأفراد بناءً على مهاراتهم الفعلية لا جنسهم.
  2. صحة نفسية أفضل: السماح للرجال بالتعبير عن مشاعرهم يقلل من نسب الاكتئاب والانتحار.
  3. علاقات إنسانية أعمق: تعزيز لغة الحوار والتعاطف بدلاً من التصادم والتصلب.
  4. **تر

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *