تستمر المأساة الإنسانية في قطاع غزة في كتابة فصولها الأكثر إيلاماً، فبينما صمتت أصوات المدافع نسبياً مع سريان وقف إطلاق النار، برز عدوٌ جديد يتربص بالأجساد الغضة؛ إنه البرد القارس ونقص الإمكانيات الأساسية. في تقرير صادم، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) عن حصيلة ثقيلة من الضحايا بين الأطفال، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
مأساة ما بعد القصف: 100 طفل يفقدون حياتهم
أكد المتحدث باسم منظمة "يونيسيف" في فلسطين، كاظم أبو خلف، أن قطاع غزة سجل وفاة نحو 100 طفل منذ بدء سريان وقف إطلاق النار. هذه الأرقام المفجعة لم تكن نتيجة غارات جوية، بل بسبب الظروف المعيشية القاسية التي خلفها الحصار، والتي شملت:
- البرد الشديد: انخفاض درجات الحرارة في ظل غياب وسائل التدفئة.
- شح الوقود: النقص الحاد في الطاقة اللازمة لتشغيل المرافق الحيوية.
- انعدام المأوى: نقص الخيام والأغطية والمستلزمات الشتوية الضرورية.
"المتاهة اللوجستية": كيف تُعرقل المساعدات؟
في تصريحاته لوسائل الإعلام، انتقد أبو خلف بشدة ما أسماه "السياسة الانتقائية" التي تنتهجها سلطات الاحتلال في إدارة المعابر. ووصف عملية إدخال المساعدات بـ "المتاهة"، حيث يتم التلاعب بالأولويات الإنسانية بشكل غير مبرر:
- منع الضروريات: تُعرقل إسرائيل دخول الأدوية، والمستلزمات الطبية، والبيوت الجاهزة (الكرفانات)، ومواد البناء.
- السماح بالكماليات: في مفارقة غريبة، يتم السماح بدخول سلع غير أساسية مثل المشروبات الغازية، بينما يفتقر الأطفال إلى أبسط مقومات العلاج والتدفئة.
- الحصار اللوجستي: لا تزال الكميات التي تعبر الحدود لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان المنهكين.
شتاء غزة.. الموت يسكن البيوت المدمرة
يواجه النازحون في غزة خيارات أحلاها مرّ؛ فإما البقاء في خيام مهترئة لا تقي من الأمطار، أو الاحتماء ببيوت مدمرة آيلة للسقوط. وأوضح المتحدث باسم اليونيسيف أن هذه الأبنية لم تعد توفر أي نوع من الحماية، بل أصبحت خطراً يهدد حياة قاطنيها.
مطالب اليونيسيف العاجلة:
- الضغط الدولي لفتح المعابر بشكل كامل ودائم.
- إدخال البيوت المتنقلة (البركسات) والأدوية والوقود فوراً.
- تأمين خروج الأطفال الجرحى لتلقي العلاج المتخصص خارج القطاع.
تحذيرات من "إبادة جماعية" صامتة
من جهتها، وصفت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الوضع الراهن بأنه استمرار لـ "أبشع أنواع الإبادة الجماعية". وأشار المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، إلى أن موت الأطفال وكبار السن بسبب البرد، وانتشار الأمراض الناتجة عن الحصار المشدد، يثبت أن الاحتلال يتعمد تحويل قطاع غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة عبر منع مواد الإيواء والاحتياجات الأساسية.
الخلاصة
إن وقف إطلاق النار الذي وصفه المتحدث باسم اليونيسيف بـ "العجيب" لم ينهِ معاناة أطفال غزة، بل كشف عن فجوة إنسانية عميقة. فإذا لم يتحرك العالم لكسر الحصار اللوجستي وتوفير الإغاثة العاجلة، فإن قائمة الضحايا من الفئات الأكثر هشاشة مرشحة للارتفاع، ليظل "الموت الصامت" يحصد أرواح من نجوا من القصف.


اترك تعليقاً