لا يكاد المرءُ يفتحُ عينه على نبأٍ في بلاد فارس، حتى تدركه جلبةٌ من واشنطن، واضطرابٌ في بروكسل، ووعيدٌ في موسكو؛ كأنما العالمُ خيطٌ واحدٌ إذا جُذب من طرفٍ تداعت له سائر الأطراف بالحمى والسهر. اليوم، يقفُ المشهدُ الإيراني على حافةِ تنورٍ مسجور، حيث لم يعد الخبرُ مجرد تظاهراتٍ في الميادين، بل صار صراعاً بين “فضاءٍ مفتوح” ترصده الأقمار الصناعية، و”أرضٍ مغلقة” يلفها انقطاع الإنترنت وتطوقها الأسوار.
“البريد الرقمي” ووعيد سيد البيت الأبيض
خرج دونالد ترامب، بأسلوبه الذي لا تخطئه العين ولا تمله الأذن، ليلقي بحجرٍ ثقيل في بركة الأحداث الراكدة. عبر منصته “تروث سوشيال”، لم يكتفِ الرئيس الأمريكي بالفرجة، بل كتب بلغةٍ مشحونة بالعواطف والوعيد: “أيها الوطنيون، واصلوا الاحتجاج.. المساعدة قادمة”. إنها دعوةٌ صريحة للسيطرة على المؤسسات، وتحذيرٌ لمن أسماهم “القتلة” بأن ثمن أفعالهم سيكون باهظاً.
وفي سياق متصل، لم يكتفِ ترامب بالكلمات، بل قرن القول بالعمل السياسي -من وجهة نظره- حين أعلن:
- إلغاء كافة الاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين حتى يتوقف “القتل العبثي”.
- التأكيد على أن “المساعدة في الطريق”، وهي عبارة حمالة أوجه، تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات.
- تركيز الأنظار على الداخل الأمريكي اقتصادياً، مع إبقاء “فتيل” السياسة الخارجية مشتعلاً بلمسة واحدة على شاشة هاتفه.
حرب الترددات: “ستارلينك” في قبضة الحرس
وإذا كان الكلامُ في واشنطن بالمجان، فإن الفعل في طهران له ضريبةٌ من حديد ونار. فقد كشفت التقارير عن معركةٍ صامتة تدور رحاها في الفضاء الإلكتروني؛ حيث تسعى السلطات الإيرانية لخنق “أنفاس الإنترنت”، بينما يحاول الإيرانيون استنشاق الحرية عبر أقمار إيلون ماسك الصناعية.
ومن عجائب ما نُقل، أن أجهزة الاستخبارات الإيرانية أعلنت “ظفراً” بمعدات “ستارلينك” في المناطق الحدودية، زاعمةً أنها أدوات للتجسس والتخريب. وقد شملت هذه المصادرات التي تُعد الأولى من نوعها:
- 100 جهاز استقبال بعيد المدى (Dish) كانت تسلل خفية عبر الحدود.
- 743 مودمًا لشبكات الجيل الخامس، ومئات الهواتف المحمولة الحديثة.
- أجهزة تقوية إشارة من نوع BTS، في محاولة لكسر طوق التشويش الذي تفرضه السلطات.
ميزان القانون وصرخة الضحايا
ويرى مراقبون أن قطع الإنترنت ليس مجرد إجراء أمني، بل هو “انتهاكٌ سافر” للعهود الدولية. فإيران، بوصفها طرفاً في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، تجد نفسها اليوم تحت مجهر الأمم المتحدة. فالحق في التعبير والتجمع ليس ترفاً، بل هو أصلٌ من أصول الحياة المدنية التي تنص عليها المادة 19 من شرعة حقوق الإنسان.
ولكن، ما قيمة النصوص أمام هول الدماء؟ تشير التقديرات القادمة من “خلف الحجب” إلى أرقام مفزعة:
- أنباءٌ تتحدث عن سقوط آلاف القتلى في حملة قمع وُصفت بأنها “غير مسبوقة”.
- تقارير أممية توثق مقتل المئات واعتقال الآلاف، استناداً إلى مصادر ميدانية موثوقة.
- ضبابية في الإحصاءات الرسمية نتيجة غياب الإعلام الدولي وانقطاع الشابكة (الإنترنت) لأيام متواصلة.
العالم بين مطرقة “الابتزاز” وسندان “العنف”
وفيما كانت العواصم الغربية (باريس، لندن، برلين، بروكسل) تصب جام غضبها على “عنف الدولة” في طهران وتستدعي السفراء للتوبيخ، كانت موسكو تقف في الضفة المقابلة. ماريا زاخاروفا، بلسانها الحاد، وصفت التهديدات الأمريكية بأنها “ابتزاز” غير مقبول، وحذرت من “عواقب كارثية” إذا ما تكررت سيناريوهات الضربات العسكرية.
أما في تل أبيب، فالصمتُ هناك يسبق العاصفة. اجتماعٌ طارئ للمجلس الوزاري المصغر، لم يكن مجدولاً، استغرق ساعات طوال لمناقشة سيناريوهات الدفاع والهجوم. إنهم يرقبون المشهد، وينتظرون كلمة السر من “الحليف الأكبر” خلف المحيط، بينما تظل الجبهة الداخلية في حالة تأهب صامت.
خاتمة: هل تصدق الوعود؟
إن المشهد في إيران اليوم يشبه كتاباً لم تكتمل فصوله بعد؛ فبين وعود ترامب بـ “المساعدة القادمة”، وإصرار السلطات على “قبضة الحديد”، يظل المواطن الإيراني عالقاً في برزخٍ بين الأمل واليأس. فهل ستكون التكنولوجيا هي “طوق النجاة” الذي يكسر العزلة، أم أن السياسة الدولية ستظل تكتفي بالتنديد والوعيد بينما تُكتب التواريخ بالدماء على أرصفة الشوارع؟ والأيام، كما يقول الجاحظ، حبالى يلدن كل عجيبة.
مصدر المعلومات: BBC Arabic


اترك تعليقاً