إيران في عين العاصفة: تصعيد دولي غير مسبوق وتحذيرات أممية من “طبول الحرب”

إيران في عين العاصفة: تصعيد دولي غير مسبوق وتحذيرات أممية من “طبول الحرب”

المنعطف الخطير: القلق الأممي يتجاوز لغة الدبلوماسية التقليدية

تعيش المنطقة حالة من الترقب المشوب بالحذر مع تسارع وتيرة الأحداث في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث لم تعد القضية مجرد احتجاجات داخلية، بل تحولت إلى أزمة دولية مفتوحة على كافة الاحتمالات. وفي هذا السياق، خرجت الأمم المتحدة عن صمتها المعتاد لتعبر عن قلق عميق حيال ما وصفته بـ”تصاعد الخطاب العسكري” الموجه نحو طهران. ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أكد في مؤتمر صحفي أن المنظمة الدولية تتابع ببالغ القلق هذه اللهجة التصعيدية، داعياً الدول الأعضاء إلى ضرورة العودة إلى طاولة الدبلوماسية بدلاً من الانزلاق نحو خطاب المواجهة العسكرية الذي قد يشعل فتيل أزمة لا يمكن السيطرة عليها.

هذا القلق الأممي يأتي في وقت حساس للغاية، حيث شدد دوجاريك على أن الحلول السياسية يجب أن تظل الأولوية القصوى، محذراً من أن استبدال الحوار بالتهديدات العسكرية لن يؤدي إلا إلى تفاقم المعاناة الإنسانية. ورغم التكهنات المتزايدة حول احتمال وقوع تدخل عسكري، أوضحت الأمم المتحدة أنها لا تزال تحتفظ بوجود ميداني قوي داخل إيران، حيث يعمل 494 موظفاً، بينهم خبراء دوليون ومحليون، مؤكدة أنه لا توجد خطط حالية لإجلائهم، في إشارة إلى تمسك المنظمة الدولية بدورها الرقابي والإنساني حتى في أحلك الظروف.

واشنطن ترفع السقف: “المساعدة في الطريق” وتقويض مسارات التفاوض

في مقلب آخر من المشهد، أحدثت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هزة في الأوساط السياسية الدولية، بعد أن أعلن صراحة إلغاء كافة المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين. وعبر منصته “تروث سوشيال”، وجه ترمب رسالة مباشرة ومثيرة للجدل إلى المحتجين في الداخل الإيراني، واصفاً إياهم بـ”الوطنيين” وحاثاً إياهم على مواصلة الحراك والسيطرة على مؤسسات الدولة. عبارة “المساعدة في الطريق” التي استخدمها ترمب لم تكن مجرد كلمات تشجيعية، بل قرأها المحللون كإشارة إلى تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه طهران، من سياسة “الضغط الأقصى” الاقتصادية إلى التلويح بدعم مباشر وميداني للتغيير من الداخل.

هبة دبلوماسية أوروبية: تنديد بـ “عنف الدولة” ووعيد بعقوبات سريعة

أوروبا، التي حاولت لسنوات لعب دور الوسيط المتوازن، بدت اليوم أكثر حزماً وتناغماً مع الموقف التصعيدي. فقد شهدت العواصم الأوروبية الكبرى حركة دبلوماسية مكثفة تمثلت في استدعاء سفراء طهران في باريس ولندن ومدريد وهلسنكي. وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، كان صريحاً في تنديده بما أسماه “عنف الدولة” الممارس ضد المتظاهرين، كاشفاً عن تحركات داخل الاتحاد الأوروبي لفرض حزمة عقوبات “سريعة” وموجعة على النظام الإيراني.

وفي لندن، لم تكن لهجة وزيرة الخارجية إيفيت كوبر أقل حدة، حيث وصفت ما يحدث في الشوارع الإيرانية بـ”القتل المروع والوحشي”، مطالبة طهران بضرورة تغيير نهجها الأمني فوراً. هذا الموقف انعكس أيضاً في إسبانيا وفنلندا، حيث أجمعت الدولتان على استنكار قمع الحريات وقطع خدمة الإنترنت، معتبرين أن احترام حق التعبير هو حجر الزاوية في أي علاقة دولية مستقبلية مع إيران. ومن جانبها، وضعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ثقلها السياسي خلف هذه التحركات، معتبرة أن عدد الضحايا “مروع” ولا يمكن للمجتمع الدولي الوقوف مكتوف الأيدي أمام الاستخدام المفرط للقوة.

الجذور الاقتصادية للاضطرابات: حين ينطق “البازار” بالرفض

لعل ما يميز هذه الموجة من الاحتجاجات هو انطلاق شرارتها من قلب المحرك الاقتصادي لإيران؛ “السوق الكبير” في طهران. ففي 28 ديسمبر الماضي، أغلقت المحلات التجارية أبوابها احتجاجاً على الانهيار الدراماتيكي في قيمة الريال الإيراني، وهو ما يعكس وصول الأزمة المعيشية إلى نقطة الانفجار. ولم تعد الوعود الحكومية كافية لتهدئة الشارع الذي يرى مدخراته تتآكل أمام تضخم جامح. الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في خطوة لافتة، أقر بمسؤولية الحكومة عن هذا التردي الاقتصادي، داعياً المسؤولين إلى الكف عن إلقاء اللوم على “جهات خارجية” مثل الولايات المتحدة، في اعتراف ضمني بعمق الأزمات الهيكلية التي تعاني منها البلاد.

حصيلة دامية وعزلة رقمية: الأرقام التي تخشى السلطة إعلانها

بينما تلتزم السلطات الإيرانية الصمت بشأن الخسائر البشرية، ترسم التقارير الحقوقية صورة قاتمة للوضع الميداني. وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان “هرانا” كشفت في تقريرها الأخير عن مقتل 664 شخصاً خلال ستة عشر يوماً فقط من الاحتجاجات، من بينهم أطفال وعناصر من الأمن، في إشارة إلى تحول المواجهات إلى صراع دموي واسع النطاق. ومع تجاوز عدد المعتقلين حاجز الـ 10 آلاف شخص، لجأت السلطات في 9 يناير إلى سلاح “العزلة الرقمية” عبر قطع الإنترنت بشكل كامل، في محاولة لمنع توثيق التجاوزات الأمنية وعرقلة تنسيق المحتجين، مما يضع البلاد أمام نفق مظلم تتقاطع فيه صرخات الداخل بتهديدات الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *