تبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تخوض صراعاً مع العالم، لكن الحقيقة أعمق من مجرد نزاعات حدودية أو دبلومسية؛ إنها تعيش أزمة بنيوية داخلية تجري محاولة "تصديرها" إلى الخارج. ومع اختناق الاقتصاد وتآكل النسيج الاجتماعي، لم تعد السياسة الخارجية الأمريكية أداة لإدارة المصالح، بل تحولت إلى وسيلة لصناعة التوتر والفوضى بهدف تأجيل مواجهة الفشل في الداخل.
في هذا التقرير، نفكك أبعاد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تعتمد على "صناعة العدو" للهروب من شبح الانهيار، وكيف يتحول العالم إلى ساحة لتصفية حسابات واشنطن مع أزماتها.
أولاً: الاقتصاد الأمريكي.. قنبلة موقوتة تحت وطأة الديون
لا يمكن فهم التحركات العسكرية والسياسية لواشنطن دون النظر إلى لغة الأرقام الصادمة التي تهدد استقرار "الإمبراطورية":
- جبل الديون: وصل إجمالي الدين الأمريكي (حكومي، شركات، وأسر) إلى نحو 98 تريليون دولار، وهو ما يعادل 4 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. ومع مطلع 2026، يُتوقع أن يكسر الدين الفيدرالي حاجز 38.4 تريليون دولار.
- نزيف الفوائد: في أول شهرين من السنة المالية 2026، تجاوزت مدفوعات الفائدة وحدها 170 مليار دولار، وهو ما يلتهم الإيرادات قبل تخصيصها لأي مشاريع تنموية.
- أزمة المعيشة والسكن: رغم الأرقام الرسمية للتضخم، إلا أن كلفة السكن قفزت بنسبة 35.2% مقارنة بما قبل الجائحة، مما استنزف دخل الطبقة الوسطى وأضعف ثقة المستهلك التي هوت إلى مستويات مقلقة.
- فشل الحروب التجارية: لم تنجح الرسوم الجمركية في حماية الاقتصاد، بل تحولت إلى تكاليف إضافية على المنتج والمستهلك الأمريكي، مما اضطر الحكومة لتقديم دعم طارئ لقطاعات مثل الزراعة لتعويض الخسائر.
ثانياً: "صناعة العدو".. الهروب إلى الأمام
وصف "بيار كونسّا"، المسؤول السابق في الدفاع الفرنسية، هذه الآلية بأنها تقديم الخصم الخارجي كسبب مباشر للأزمة الداخلية. فعندما يعجز النظام عن حل مشاكله، يقوم بشيطنة دول بعينها لتحويل الغضب الشعبي بعيداً عن مراكز القرار في واشنطن.
1. الانقسام السياسي الحاد
تعاني الإدارة الأمريكية من تراجع حاد في الشعبية (36% فقط يوافقون على أداء الرئيس)، مع انقسام غير مسبوق داخل الحزب الجمهوري نفسه، وصراع مرير مع مؤسسات الدولة "الدولة العميقة" مثل البنتاغون والاستخبارات، مما يجعل "الخطر الخارجي" هو الغراء الوحيد المتبقي لمحاولة لملمة الشتات الداخلي.
2. حرب المعادن مع الصين
الصراع مع بكين ليس سياسياً فقط، بل هو صراع بقاء صناعي. تهيمن الصين على 90% من تكرير العناصر الأرضية النادرة، مما يهدد بشلل الصناعات العسكرية والتكنولوجية الأمريكية، ويدفع واشنطن للبحث عن بدائل بأي ثمن.
ثالثاً: خريطة الاستهداف الأمريكي.. الموارد أولاً
لا ترتبط قائمة "الأعداء" أو "المستهدفين" بسلوكهم السياسي بقدر ارتباطها بما يمتلكونه من كنوز استراتيجية:
فنزويلا: النفط والاختطاف السياسي
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم (303 مليار برميل). التعامل الأمريكي العنيف مع كاراكاس، وصولاً إلى محاولات تغيير النظام، يهدف للسيطرة على هذا المورد الاستراتيجي وحرمان روسيا والصين من حليف قوي في "الحديقة الخلفية" لأمريكا.
غرينلاند: كنز القطب الشمالي
عادت واشنطن لطرح فكرة شراء غرينلاند أو السيطرة عليها. السبب ليس عقارياً، بل لأن الجزيرة هي مفتاح السيطرة على القطب الشمالي، وتضم احتيا


اترك تعليقاً