خبير الإعمار في مواجهة الركام: علي شعث ومهمة “التكنوقراط” الصعبة لإدارة قطاع غزة ما بعد الحرب

خبير الإعمار في مواجهة الركام: علي شعث ومهمة “التكنوقراط” الصعبة لإدارة قطاع غزة ما بعد الحرب

منعطف سياسي وتقني: الإعلان عن لجنة التكنوقراط

في خطوة تعكس تسارع الترتيبات الإقليمية والدولية لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، أعلنت دول الوساطة—جمهورية مصر العربية، ودولة قطر، والجمهورية التركية—في بيان مشترك صادر عن وزارة الخارجية المصرية، عن اكتمال تشكيل “لجنة التكنوقراط الفلسطينية” الموكلة بإدارة شؤون القطاع. وقد جاء اختيار الدكتور المهندس علي عبد الحميد شعث لرئاسة هذه اللجنة بمثابة رسالة سياسية وتقنية واضحة، تشير إلى الرغبة في تغليب الطابع المهني والتنموي على الصراعات السياسية المباشرة، في ظل واقع ديموغرافي وإنساني هو الأكثر تعقيداً في التاريخ الفلسطيني الحديث.

السياق السياسي: خطة “مجلس السلام” وتركة الحرب

لا يمكن قراءة تكليف شعث بمعزل عن الإطار السياسي الأوسع؛ إذ تأتي هذه اللجنة كأحد البنود المحورية في الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإدارة قطاع غزة. هذه الخطة، التي وُضعت لتنفيذها بعد حرب استمرت عامين، تهدف إلى إيجاد جسم إداري قادر على التعامل مع تداعيات “حرب الإبادة” التي شنتها إسرائيل منذ الثامن من أكتوبر 2023. وستعمل لجنة شعث تحت إشراف مباشر مما يُسمى “مجلس السلام” برئاسة ترمب، ضمن رؤية أعلنت في سبتمبر 2025، تتضمن نشر قوة استقرار دولية لضمان الأمن وتوفير بيئة مواتية لعمليات الإغاثة والترميم.

من هو علي شعث؟ قراءة في السيرة والمؤهلات

ينحدر الدكتور علي عبد الحميد شعث من مدينة خان يونس بقطاع غزة، وهي المدينة التي شهدت فصولاً قاسية من الدمار، مما يجعله مدركاً لواقع الأرض الذي سيعمل عليه. انتقل شعث للإقامة في الضفة الغربية، مراكماً خبرات واسعة دمجت بين الأكاديمية والعمل الحكومي الميداني. في عام 1989، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية من جامعة كوينز في بلفاست بالمملكة المتحدة، حيث تخصص في تخطيط البنية التحتية والتنمية الحضرية. هذه الخلفية الأكاديمية الرصينة في واحدة من أعرق الجامعات البريطانية منحته الأدوات العلمية اللازمة لفهم تعقيدات المدن في حالات ما بعد النزاعات، وكيفية إعادة إحياء النسيج العمراني المتهالك.

المسيرة المهنية: رجل المؤسسات والتخطيط الاستراتيجي

امتلك شعث مسيرة مهنية حافلة داخل أروقة السلطة الفلسطينية، حيث شغل مناصب مفصلية جعلت منه خبيراً في صياغة السياسات التنموية. بدءاً من عام 1995، عمل وكيلاً مساعداً في وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وهي الفترة التي شهدت تأسيس المؤسسات الفلسطينية الأولى وبناء جسور التعاون مع المانحين الدوليين. كما تولى منصب وكيل وزارة النقل والمواصلات لسنوات طويلة، مسهماً في وضع الخطط الاستراتيجية لربط المدن وتطوير المرافق الحيوية. ولعل الدور الأبرز الذي صقل مهاراته في الإدارة الاقتصادية كان رئاسته التنفيذية للهيئة العامة للمدن الصناعية والمناطق الحرة (PIEFZA)، حيث قاد جهود تطوير المناطق الصناعية وعقد شراكات دولية وأكاديمية تهدف إلى تعزيز الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني.

التحدي الأكبر: إعادة إعمار قطاع محطم

يواجه شعث ولجنته واقعاً كارثياً؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن آلة الحرب الإسرائيلية دمرت نحو 90% من البنية التحتية في قطاع غزة. وبحسب التقديرات الدولية، فإن تكلفة إعادة الإعمار قد تصل إلى 70 مليار دولار، وهو رقم ضخم يتطلب قدرات استثنائية في إدارة الموارد والتنسيق مع الجهات المانحة. فالمهمة ليست مجرد بناء جدران، بل إعادة تشغيل محطات المياه والكهرباء، وترميم القطاع الصحي الذي تهاوى، وتوفير حلول سكنية لـ 1.5 مليون نازح يعيشون في أوضاع كارثية، من أصل 2.4 مليون مواطن يقطنون القطاع.

الواقع الميداني: اتفاقيات هشة وتصعيد مستمر

يأتي تكليف هذه اللجنة في وقت يشهد فيه الاتفاق السياسي تعثراً واضحاً؛ فعلى الرغم من بدء سريان المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، إلا أن الخروقات الإسرائيلية اليومية حالت دون الانتقال للمرحلة الثانية. وتكشف بيانات وزارة الصحة عن استشهاد المئات وإصابة الآلاف منذ بدء الاتفاق، تزامناً مع استمرار سياسة التجويع ومنع دخول الأدوية ومواد الإيواء. هذا المشهد الدموي يضع لجنة “التكنوقراط” أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن البدء بعملية تنموية أو إدارية في ظل غياب أمن حقيقي واستمرار الحصار المفروض على الاحتياجات الإنسانية الأساسية؟

الجذور التاريخية والأفق المستقبلي

لا يمكن فصل مهمة شعث عن السياق التاريخي للقضية الفلسطينية؛ فغزة التي يحاول “مجلس السلام” إدارتها اليوم هي ذاتها الأرض التي تعاني منذ نكبة عام 1948، حين أقيمت دولة إسرائيل على أنقاض المدن والقرى المهجرة. ومع إصرار الاحتلال على رفض قيام دولة فلسطينية والانسحاب من الأراضي المحتلة، تبدو مهمة لجنة التكنوقراط وكأنها محاولة لإدارة “الأزمة” بدلاً من حلها الجذري. ومع ذلك، يرى مراقبون أن خبرة شعث في “التكامل الاقتصادي عبر الحدود” و”سياسات ما بعد النزاعات” قد تمثل الأمل الأخير لمنع الانهيار الشامل في القطاع، وتحويل الركام إلى أساس لدولة مستقبلية متعثرة الولادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *