تتعرض قرية مخماس، القابعة إلى الشمال من مدينة القدس المحتلة، إلى حملة استيطانية شرسة تهدف إلى خنق الوجود الفلسطيني فيها وتحويلها إلى "كانتون" معزول. في الأسابيع الأخيرة، تصاعدت وتيرة الانتهاكات التي يمارسها المستوطنون، متجاوزةً مجرد التحرشات اليومية لتصل إلى خطة ممنهجة لعزل الغالبية العظمى من مساحة القرية وحرمان سكانها من مصادر رزقهم التاريخية.
حصار بالأرقام: ضياع 10 آلاف دونم
تعد الأرقام الصادرة عن مجلس قروي مخماس صادمة، حيث تعكس حجم الكارثة الجيوسياسية التي تواجهها المنطقة:
- المساحة الإجمالية: تبلغ مساحة أراضي القرية حوالي 12 ألف دونم.
- المساحة المتاحة: لا يُسمح للأهالي اليوم بالوصول إلا إلى ألفي دونم فقط.
- نسبة المصادرة الفعلية: نجح الاحتلال في عزل نحو 80% من الأراضي، مما يعني حرمان السكان من 10 آلاف دونم من أراضيهم الزراعية ومراعيهم.
استراتيجيات التهجير: حرب على الشجر والحجر
لا يكتفي المستوطنون بوضع اليد على الأرض، بل يمارسون "إرهاباً زراعياً" لضرب مقومات الحياة الأساسية، وتتمثل هذه الاعتداءات في:
- استهداف الثروة الشجرية: تقطيع أشجار الزيتون المعمرة، خاصة في أيام السبت، كإجراء انتقامي ضد المزارعين الذين يحاولون حراثة أراضيهم.
- التضييق على الرعاة: منع أصحاب المواشي من الوصول إلى المراعي الطبيعية، وإطلاق أبقار المستوطنين في حقول الفلسطينيين لإتلاف المحاصيل.
- البؤر الرعوية: نصب خيام استيطانية جديدة وإنشاء بؤر عشوائية لتكون نقاط انطلاق للاعتداءات وتوسيع نفوذ المستوطنات المحيطة مثل (معاليه مخماش، بسجوت، وآدم).
ضرب العصب الاقتصادي للقرية
تعتمد قرية مخماس بشكل أساسي على الاقتصاد الريفي، وهو ما يجعل القيود الإسرائيلية طعنة في قلب الاستقرار المعيشي للسكان. فمن خلال منع زراعة القمح والزيتون وتربية الأغنام، يسعى الاحتلال إلى تجفيف منابع الدخل للفلسطينيين، لدفعهم نحو الهجرة الطوعية بحثاً عن لقمة العيش بعيداً عن أراضيهم المهددة.
خيبة أمل قانونية ودولية
رغم أن شريحة كبيرة من أهالي مخماس يحملون الجنسية الأمريكية، إلا أن هذا الغطاء القانوني لم يشكل حماية لهم. وفي هذا السياق، يشير المسؤولون المحليون إلى:
- تجاهل ازدواج الجنسية: ترفض سلطات الاحتلال الاعتراف بالحقوق المدنية لحاملي الجنسية الأمريكية في الضفة، وتتعامل معهم كفلسطينيين فقط لتسهيل قمعهم.
- غياب الدعم الملموس: بالرغم من زيارة وفد من السفارة الأمريكية للقرية واطلاعهم على حجم المعاناة، إلا أن تلك التحركات لم تترجم إلى ضغط حقيقي يوقف التغول الاستيطاني.
صمود رغم التحديات: "لن نبرح الأرض"
أمام هذا الواقع القاتم، يبقى خيار "الصمود" هو العنوان الأبرز لأهالي مخماس. يؤكد المزارعون والسكان أن اعتداءات المستوطنين اليومية، ومحاولات ترهيبهم، لن تزيدهم إلا تمسكاً بحقهم.
يقول لسان حال الأهالي هناك: "سنبقى نزرع ونربي المواشي، ولن نترك هذه الأرض مهما بلغت التضحيات". إنها معركة إرادة يخوضها المزارع الفلسطيني بصدره العاري أمام آلة استيطانية تهدف إلى تغيير ديموغرافيا القدس ومحيطها بالكامل.


اترك تعليقاً