مقدمة: تحديات العصر الرقمي ومنهجية الشريعة
نعيش اليوم في عصر الثورة التكنولوجية المتسارعة، حيث لم تعد الحقيقة والزيف متميزين بوضوح كما كانا في السابق. ومن أخطر ما أفرزه الذكاء الاصطناعي ما يعرف بتقنية “التزييف العميق” (Deepfake)، وهي تقنية تعتمد على دمج الصور والأصوات لإنتاج مقاطع فيديو تظهر أشخاصاً يقولون ويفعلون أشياءً لم تحدث في الواقع أبداً. إن هذه التقنية، رغم ما قد تحمله من فوائد تعليمية أو ترفيهية، تفتح أبواباً واسعة للفتن، والاعتداء على الحرمات، وتزييف الحقائق.
وتأتي الشريعة الإسلامية الغراء، بصلاحيتها لكل زمان ومكان، لتضع الضوابط الكفيلة بحماية الإنسان وكرامته. فالشريعة تقوم على “مقاصد ضرورية” تهدف إلى حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والعرض، والمال. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى تفكيك الأحكام الفقهية المتعلقة بالتزييف العميق، ودراسة أثره على الخصوصية وحجية الوسائل السمعية والبصرية في ساحات القضاء.
أولاً: التكييف الفقهي لتقنية التزييف العميق
من الناحية الفقهية، يندرج استخدام التزييف العميق في غايات غير مشروعة تحت عدة محرمات قطعية، منها:
- الكذب والتزوير: قال الله تعالى: “فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ” (الحج: 30). والتزييف العميق هو أسمى صور قول الزور في العصر الحديث، لأنه تزوير للواقع والحقيقة.
- الغش والخداع: قال النبي ﷺ: “من غشنا فليس منا” (رواه مسلم). وهذه التقنية تقوم في جوهرها على إيهام المشاهد بصحة ما يرى، وهو عين الغش.
- الاعتداء على الأعراض: في حال استخدامها لتركيب صور أو فيديوهات مخلة، فإنها تدخل في باب القذف والتشهير، وهو من الكبائر.
مقاصد الشريعة وحماية “الحق في الصورة”
إن “الحق في الصورة” جزء لا يتجزأ من كرامة الإنسان التي كفلها الله تعالى بقوله: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” (الإسراء: 70). الخصوصية في الإسلام ليست مجرد حق مدني، بل هي حرمة شرعية. فالتزييف العميق يمثل اعتداءً صارخاً على “الملكية الشخصية للصورة” وعلى الحق في عدم نسب كلام أو فعل للشخص لم يصدر عنه، مما يؤدي إلى مفاسد عظيمة في المجتمع.
ثانياً: الأحكام الفقهية المترتبة على إساءة استخدام التزييف العميق
تنقسم الأحكام الفقهية هنا بناءً على نوع الاعتداء والضرر الناتج عن التقنية:
1. التزييف العميق بقصد القذف والتشهير
إذا استخدمت التقنية لنسبة الزنا أو الفاحشة لشخص ما عبر فيديوهات مفبركة، فإن هذا يعد “قذفاً إلكترونياً”. ويرى الفقهاء المعاصرون أن الوسيلة لا تغير من جوهر الحكم؛ فمن فعل ذلك استحق عقوبة القذف شرعاً، بالإضافة إلى العقوبات التعزيرية الرادعة التي يقررها ولي الأمر لمواجهة الجرائم المعلوماتية.
2. التزييف العميق بقصد الاحتيال المالي
استخدام تقمص الشخصيات (بصرياً وصوتياً) لخداع الناس وسرقة أموالهم يندرج تحت “أكل أموال الناس بالباطل”. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ” (النساء: 29). وهنا تجب العقوبة التعزيرية مع ضمان المال المسلوب.
3. التزييف العميق وأثره على السلم المجتمعي
إنتاج مقاطع مزيفة لمسؤولين أو علماء تهدف لإثارة الفتن أو نشر أخبار كاذبة تضر بالأمن القومي يعد من “الإفساد في الأرض”. والتعامل الفقهي مع هذا النوع يكون بالحزم لسد الذرائع (قاعدة سد الذرائع)، لأن المفسدة الناتجة عن هذه الفيديوهات قد تؤدي إلى إراقة الدماء أو انهيار الدول.
ثالثاً: أثر التزييف العميق على حجية الوسائل السمعية والبصرية في الإثبات الجنائي
من الناحية التاريخية، اعتمد القضاء الحديث الوسائل السمعية والبصرية (التسجيلات، الكاميرات) كقرائن قوية أو أدلة إثبات. ولكن، مع ظهور التزييف العميق، تضعضعت هذه “الحجية” وأصبح من الواجب إعادة النظر فقهياً وقانونياً في كيفية قبولها.
تطبيق قاعدة “الحدود تدرأ بالشبهات”
القاعدة الفقهية الكبرى تقول: “ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم”. ومع وجود تقنية تستطيع تزييف الصوت والصورة بدقة تصل إلى 99%، أصبح الفيديو “شبهة” قائمة بذاتها. لذا، لا يجوز شرعاً الاكتفاء بمقطع فيديو كدليل وحيد لإدانة شخص في حد من حدود الله (كالسرقة أو القذف) ما لم يعتضد بأدلة قطعية أخرى أو إقرار صريح.
وجوب التثبت والتحري
أمرنا الله تعالى بالتثبت في قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا” (الحجرات: 6). في عصر التزييف العميق، يصبح “التبين” واجباً شرعياً على القاضي والمحقق. وهذا يتطلب:
- الاستعانة بأهل الخبرة (الخبراء التقنيين) لفحص المقطع والتأكد من عدم وجود تلاعب رقمي.
- عدم اعتبار التسجيلات الصوتية أو المرئية “أدلة قطعية” بل “قرائن” تحتاج إلى تعزيز.
- تطوير تقنيات مضادة للذكاء الاصطناعي (AI detection) للتمييز بين الحقيقي والمزيف.
رابعاً: الضوابط الشرعية لاستخدام التزييف العميق في الأغراض المباحة
هل كل تزييف عميق محرم؟ القاعدة الفقهية تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم”. يمكن استخدام هذه التقنية في حالات معينة بضوابط مشددة:
- الأغراض التعليمية والوثائقية: كترميم مقاطع فيديو قديمة لشخصيات تاريخية، بشرط التنويه الواضح بأن المقطع معالج تقنياً، وعدم نسبة قول لم يقله الشخص.
- الأغراض الطبية والعلمية: مثل مساعدة من فقدوا أصواتهم على استعادتها عبر محاكاة الذكاء الاصطناعي.
- الترفيه المباح: في صناعة السينما، بشرط الحصول على إذن كتابي من الشخص (أو ورثته) وعدم استخدامها فيما يخالف الآداب الإسلامية.
خاتمة: نحو ميثاق أخلاقي وشرعي للذكاء الاصطناعي
في ختام هذه الدراسة، نخلص إلى أن تقنية التزييف العميق سلاح ذو حدين، والشريعة الإسلامية بمبادئها الأخلاقية والتشريعية قادرة على لجم مخاطرها. إن الحفاظ على الخصوصية وحماية “الحق في الصورة” هو حماية للمجتمع من الفوضى والانهيار الأخلاقي.
نوصي بضرورة تضافر الجهود بين علماء الشريعة، والمشرعين القانونيين، وخبراء التقنية لوضع “ميثاق أخلاقي رقمي” يستند إلى وحي السماء ويراعي مستجدات العصر، مع التأكيد على أن التكنولوجيا يجب أن تكون خادمة للإنسان وكرامته، لا معول هدم للحقائق والخصوصيات. إن التثبت واليقين هما الركيزتان اللتان يجب أن يقوم عليهما القضاء والإعلام في عصر الزيف الرقمي، ليبقى الحق أبلج والباطل لجلج.

اترك تعليقاً