في قلب مدرسة قروية ضواحي مدينة مراكش، يخوض الشاب "محمود"، أستاذ اللغة الأمازيغية، تجربة تتجاوز حدود التلقين التقليدي. بالنسبة له، الحصة الدراسية ليست مجرد زمن لفك رموز لغوية، بل هي نافذة يكتشف من خلالها الأطفال أن لغة أجدادهم التي تتردد أصداؤها في بيوتهم تمتلك أبجدية عريقة ونظاماً تعليمياً متكاملاً.
هذه التجربة، التي يصفها محمود بأنها "مساحة حياة"، تعكس واقعاً معقداً تعيشه اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية المغربية بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على إقرار تدريسها.
الأمازيغية في المدارس: أرقام بين التقدم والبطء
منذ الانطلاقة الرسمية لتدريس الأمازيغية في عام 2003، قطع المغرب أشواطاً متفاوتة. ووفقاً لآخر المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية في يناير 2025، بلغت نسبة تغطية اللغة الأمازيغية في المدارس الابتدائية حوالي 40%.
ورغم أن هذا الرقم يمثل تقدماً مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن المتابعين للشأن التربوي، ومن بينهم الباحث "عبد الله بادو"، يرون أن الالتزام الدستوري بتعميم اللغة لا يزال يواجه عقبات جوهرية، منها:
- تمديد الآجال: تأجيل سقف التعميم الكامل إلى غاية عام 2030.
- التعليم الخصوصي: بقاء تدريس المادة اختيارياً في المدارس الخاصة، مما يكرس نوعاً من التفاوت الطبقي في الوصول إلى اللغة الرسمية.
- إدارة الزمن المدرسي: ضيق الحيز الزمني المخصص للأمازيغية مقارنة باللغات الأخرى.
"تيفيناغ": من الجدل التربوي إلى النجاح الرقمي
لطالما كان اختيار حرف "تيفيناغ" لكتابة الأمازيغية موضوع نقاش، إلا أن التجربة الميدانية أثبتت نجاعتها. يشير الباحث "إبراهيم إشوي" إلى أن هذا الحرف حُسم بقرار ملكي ومساندة علمية من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
اليوم، يظهر الواقع أن الأطفال -حتى من غير الناطقين بالأمازيغية- يتقبلون هذا الحرف بسلاسة مدهشة. والأهم من ذلك، أن "تيفيناغ" نجح في مواكبة العصر من خلال اندماجه الكامل في المنصات التكنولوجية والرقمية، مما جعله حرفاً حياً يتفاعل معه الجيل الجديد.
الأبعاد الهوياتية والحقوقية لتعلم لغة الأجداد
لا ينظر المختصون إلى تدريس الأمازيغية كمجرد مادة إضافية، بل كأداة لترسيخ الأمن الثقافي للمغاربة. ويوضح الباحثون أن إدماجها في المنهاج الدراسي يحقق فوائد عدة:
- تعزيز الثقة بالنفس: يشعر الطفل بأن لغته الأم محترمة ومعترف بها مؤسساتياً.
- العدالة التربوية: مدرسة تعترف بتعدد لغات أبنائها هي مدرسة أكثر إنصافاً.
- المواطنة الكاملة: ربط المتعلم بجذوره التاريخية والحضارية يعزز لديه الشعور بالانتماء للوطن.
حضور الأمازيغية في الفضاء العام والذكاء الاصطناعي
بدأت ثمار التدريس تمتد إلى خارج أسوار المدرسة، حيث نلاحظ حضوراً متزايداً للغة المعيارية في:
- الإدارات العمومية: توظيف متخصصين لتقديم خدمات ترجمة دقيقة.
- الإعلام: ظهور مواد إعلامية بلغة أنيقة تبتعد عن "الفلكلورية" وتقترب من المؤسساتية.
- التكنولوجيا الحديثة: استعانة الشباب بالذكاء الاصطناعي لاستعادة أصولهم القبلية وأسمائهم العائلية العريقة.
خارطة الطريق: كيف نصل إلى التعميم الحقيقي؟
يرى الأكاديمي "الحسين بويعقوبي" وزملاؤه أن الانتقال من الوضع الحالي إلى التعميم الشامل يتطلب إرادة سياسية ومخططات عملية واضحة، تشمل:
- التكوين المكثف: وضع مخطط خماسي لتكوين نحو 20 ألف أستاذ متخصص و100 مفتش تربوي.
- توفير الموارد: إنهاء أزمة غياب الكتاب المدرسي وتخصيص قاعات مجهزة لتدريس المادة.
- سوق الشغل: ربط تعلم الأمازيغية بفرص العمل لضمان استدامتها وقيمتها النفعية.
- الهندسة المنهاجية: إدراج اللغة في السلكين الإعدادي والثانوي وعدم حصرها في الابتدائي فقط.
خاتمة:
إن تجربة تدريس الأمازيغية في المغرب هي رحلة لاستعادة الذات الحضارية. ورغم التحديات اللوجستية والزمنية، يبقى إصرار المدرسين مثل "محمود" وتفاعل الأجيال الجديدة الضمانة الأكبر لتحويل هذه اللغة من "إرث قديم" إلى "مستقبل مشرق" يجمع كل المغاربة.


اترك تعليقاً