أسرار مخرج الخيشوم: دراسة تأصيلية وتحليلية عميقة في علوم الأداء القرآني

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على أفصح من نطق بالضاد، سراجنا المنير وهادينا إلى الصراط المستقيم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين الذين نقلوا لنا وحي الله بحروفه وصفاته غضاً طرياً كما أُنزل، وبعد:

إنّ علم التجويد ليس مجرد قواعد جافة، بل هو ميزان دقيق لضبط الأداء الصوتي للوحي الإلهي، ومن أدق مباحثه التي تستدعي وقفات تأمل وتحقيق هو مخرج “الخيشوم”. ولعل الدافع الحقيقي وراء هذا البحث المستفيض هو ما قد يبدو للناظر المستعجل من تباين في تقريرات إمام المحققين ابن الجزري -رحمه الله-، حيث ورد عنه نصان ظاهرهما التعارض؛ أحدهما يقرر أن الخيشوم هو مخرج “الغنة” كصفة، والآخر يشير إلى أنه مخرج لـ “أحرف الغنة” كذوات. ومن هنا، وجب علينا سبر أغوار هذه المسألة، وتحرير أقوال العلماء فيها لبيان وجه الائتلاف ونفي مظنة الاختلاف.

أولاً: كنه الخيشوم في المنظور اللغوي والتشريحي

يُعد الخيشوم المخرج العام الخامس والأخير من مخارج الحروف العربية الرئيسية. وفي لسان العرب والاصطلاح الأدائي، يُعرف الخيشوم بأنه أقصى الأنف، أو ذلك الخرق المنجذب إلى داخل الفم فوق سقف الحنك الأعلى. فهو ليس المنخرين الظاهرين، بل هو التجويف الداخلي الذي يربط ما بين الأنف والحلق، ويشكل غرفة رنين صوتية فريدة، لا يشاركها فيها أي مخرج آخر، وهي المسؤولة عن إضفاء طابع “الغنة” الذي يميز حرفي النون والميم عن سائر الحروف.

ثانياً: تحرير الأقوال في طبيعة المخرج: هل هو للحرف أم للصفة؟

انقسمت أنظار جهابذة القراء وعلماء الأداء في تحديد “ما يخرج من الخيشوم” إلى اتجاهين رئيسيين، وكلاهما ينطلق من فلسفة دقيقة في فهم الصوت اللغوي:

الاتجاه الأول: الخيشوم مخرج لأحرف الغنة (الذوات)

يرى أصحاب هذا القول أن الخيشوم هو المخرج الفعلي للنون والميم في حالات مخصوصة. والمقصود هنا هو النون الساكنة والتنوين والميم الساكنة عندما تتلبس بغنة مستطيلة، وذلك في الحالات التالية:

  • حالة الإدغام بغنة والإخفاء والقلب: في هذه الحالات، يعتقد هؤلاء العلماء أن الحرف “يتحول” عن حيزه الأصلي (طرف اللسان للنون، والشفتان للميم) لينتقل جُلّ اعتماده الصوتي إلى الخيشوم.
  • حالة التشديد: عند النطق بالنون والميم المشددتين، حيث تبلغ الغنة ذروة كمالها.
  • وقد فصل القائلون بهذا الرأي أحوال النون والميم إلى ثلاثة أقسام أدائية:
    1. حالة التحول الكامل: وهي في الإخفاء والإدغام بغنة، حيث يغيب عمل المخرج اللساني أو الشفوي ويصير الخيشوم هو المبدأ والمنتهى للصوت.
    2. حالة المخرج المزدوج: وذلك في التشديد، حيث يعمل المخرج الأصلي مع الخيشوم في آن واحد.
    3. حالة المخرج الأصلي المحض: وذلك عند تحريك الحرفين أو إظهارهما، حيث يكون الاعتماد الكلي على اللسان أو الشفتين، مع وجود أصل الغنة التي لا ينفك عنها الحرفان.

    ويبرر أصحاب هذا الاتجاه رأيهم بأن العبرة بـ “الأغلب”؛ فبما أن عمل الخيشوم هو الطاغي والمسيطر في حالات الإخفاء والإدغام، جاز تسميته مخرجاً للحرف، تماماً كما تحولت حروف المد إلى مخرج “الجوف” رغم أن أصلها يرجع إلى مخارج أخرى.

    الاتجاه الثاني: الخيشوم مخرج لصفة الغنة (الأثر الصوتي)

    ذهب فريق آخر من المحققين، ومنهم الشيخ المرصفي، إلى أن الخيشوم هو مخرج لصفة الغنة فقط، وليس لذوات الحروف. واستدلوا بأن النون والميم لا تزايلان مخرجهما الأصلي أبداً مهما كانت حالتهما الإعرابية أو الأدائية.

    ويُمكن تلخيص رؤيتهم في النقاط التالية:

  • في الإدغام والقلب، تظل الميم معتمدة على الشفتين، والنون على طرف اللسان، لكن الغنة المصاحبة هي التي تنبعث من الخيشوم.
  • الغنة صفة فريدة، وهي الصفة الوحيدة التي خُصص لها مخرج مستقل بذاته، بينما تخرج سائر الصفات من نفس مخرج الحرف.
  • القول بتحول مخرج النون إلى الخيشوم في الإخفاء فيه نظر؛ لأن اللسان في الإخفاء يتهيأ عند مخرج الحرف التالي، مما يعني أن الحيز الفموي لا يزال له عمل معتبر.
  • ثالثاً: أدلة الفريقين وتحليل نصوص الإمام ابن الجزري

    لقد كان الإمام ابن الجزري دقيقاً في تعبيراته، وما يظنه البعض تناقضاً هو في الحقيقة تنوع في الاعتبار:

    1. الاستدلال بـ “النشر”: ذكر ابن الجزري أن مخرج النون والتنوين في الإخفاء هو الخيشوم فقط، معللاً ذلك بأنه لا عمل للسان فيهما كعمله في الإظهار. هذا النص يرجح كفة القائلين بأن الخيشوم مخرج لـ “الحرف” في حالات خاصة.
    2. الاستدلال بـ “المقدمة الجزرية”: قوله المشهور “وغنة مخرجها الخيشوم” يشير ظاهرياً إلى الصفة. ولكن العلماء أجابوا عن ذلك بأن التقدير قد يكون “مخرج محلها”، أو أن المقصود بـ “الغنة” هنا هو “الحرف الأغن” وهو النون المخفاة، من باب تسمية الشيء باسم صفته الغالبة عليه.
    3. الاعتبار المخرجين: إن عدَّ الخيشوم مخرجاً من المخارج السبعة عشر للحروف -وهي مخارج للذوات- يقتضي بالضرورة أن يكون الخارج منه حرفاً لا مجرد صفة، لأن الصفات لا تُفرد لها مخارج في هذا السياق إلا لتكون تابعة للذوات.

    رابعاً: التوفيق بين الأقوال وبلوغ الغاية

    بمزيد من التمحيص، نجد أن الخلاف بين الفريقين هو خلاف في “التكييف الوصفي” وليس في “الأداء العملي”. فالإخفاء في حقيقته هو “إعدام” لذات النون الساكنة مع “إبقاء” صفتها وهي الغنة.

    فإذا قلنا إن الباقي من النون عند الإخفاء هو الغنة فقط، فإن هذه الغنة في هذه الحالة ليست مجرد صفة تابعة، بل هي “الحرف نفسه” وقد تجسد في صورته الصوتية الجديدة. وبناءً عليه:

  • القول بأن مخرج النون يتحول للخيشوم في الإخفاء صحيح؛ لأن ذات الحرف الفموية تلاشت ولم يبق إلا الرنين الأنفي.
  • والقول بأن المخرج للغنة صحيح؛ لأنها هي المكون الوحيد المسموع من الحرف في تلك الحالة.

وقد أجلى الشيخ المرعشي هذا الغموض بقوله إن النون المخفاة والغنة هما “متحدتان ذاتاً” في حالة الإخفاء؛ لأن الصوت المنبعث من الخيشوم هو حقيقة الاثنين معاً.

خامساً: مراتب خروج الصوت من الخيشوم

لفهم أعمق لهذا المخرج، يجب إدراك أن عمل الخيشوم ليس على وتيرة واحدة، بل يتدرج حسب قوة الغنة:
1. المرتبة الأكمل: في النون والميم المشددتين والمدغمتين (إدغاماً كاملاً)، حيث يمتلئ الخيشوم بالصوت ويصير هو المنبع الرئيسي للرنين.
2. المرتبة الكاملة: في الإخفاء والقلب والإدغام الناقص، حيث يكون الاعتماد على الخيشوم كبيراً مع بقاء أثر للمخرج الأصلي أو مخرج الحرف التالي.
3. مرتبة أصل الغنة: في النون والميم المتحركتين أو المظهرتين، وهنا يكون الخيشوم “ممرّاً” لا بد منه لخروج الصوت، لكن الاعتماد الأساسي يكون على اللسان أو الشفتين.

سادساً: الخاتمة والتوجيه التربوي

إن هذا التفصيل العلمي في مخرج الخيشوم يورث القارئ هيبة من دقة هذا العلم، ويدفعه إلى مراقبة أنفاسه وحروفه وهو يتلو آيات الله. فالمسألة ليست مجرد “صوت يخرج من الأنف”، بل هي هندسة صوتية ربانية تجعل للنون والميم طابعاً قدسياً في التلاوة.

إن الخلاصة التي ينبغي أن يستصحبها طالب العلم هي أن الخيشوم مخرج أصيل، وهو مقر الغنة بجميع حالاتها، وسواء سمينا الخارج منه “حرفاً مخفياً” أو “صفة مستطيلة”، فإن النتيجة واحدة وهي وجوب إعطاء هذا المخرج حقه من العناية، وتجنب إخراج الغنة من الفم، أو كتم صوتها في الأنف كتماً يخل بجمال التجويد.

نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا ممن يقرؤون القرآن فيرقون، ومن الذين يضبطون حروفه ويقيمون حدوده، وأن يرزقنا حب كلامه وحب نبيّه وحب كل عمل يقربنا إلى مرضاته. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. والحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *