دستور العبودية الخالد: ميثاق الاستقامة من المهد إلى اللحد

تتعاقب الأزمان وتتداول الأيام، فبين عشية وضحاها يتبدل حال الإنسان من شأن إلى شأن، وتتقلب به ظروف الحياة بين سعة وضيق، وصحة وسقم، وفراغ وشغل. وفي هذا الخضم المتلاطم من المتغيرات التي تعصف بالبشر وتؤثر في مساراتهم النفسية والعملية، يبرز المؤمن بشخصية استثنائية وقاعدة راسخة لا تهزها الرياح؛ إنه “الأصل العظيم” الذي يستمد منه ثباته، والمنهج القويم الذي يحدد بوصلته في كل حين. هذا الانتماء ليس مجرد موروث اجتماعي تناقلته الأجيال، ولا هو بروتوكول تفرضه الأعراف والأنظمة، بل هو الحقيقة الوجودية الكبرى، والغاية الأسمى التي من أجلها فطر الله الخلائق وأسكنهم في هذه الأرض، حيث يقول جل في علاه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).

العبودية: الغاية الأسمى وحق الله الأوحد

إن المتأمل في نصوص الوحي يدرك يقيناً أن العبادة هي “أصل الأصول” وقطب الرحى الذي تدور حوله كل تفاصيل الكون. فما سُخرت السماوات والأرض، وما أُفيضت النعم، وما أُرسل الرسل إلا لترسيخ هذا المعنى العظيم. لقد بعث الله في كل أمة رسولاً ليصدع بكلمة التوحيد: (أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)، فكانت هذه الدعوة هي الميزان الذي انقسم الناس حوله؛ فمنهم من أبصر نور الهداية، ومنهم من حقت عليه الضلالة بصدوده.

وهذه العبودية ليست مجرد تكليف شاق، بل هي “حق الله” الذي تفرّد به، كما جاء في وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وهو يبيّن له عظم هذا الشأن، موضحاً أن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وفي مقابل ذلك تفضل الله بوعد كريم ألا يعذب من لا يشرك به. إن كل ما يراه الإنسان من زينة الأرض وبهجتها إنما هو مادة للاختبار والتمحيص، ليتجلى في هذا الميدان مَن هو أحسن عملاً وأكثر إخلاصاً، كما نصت على ذلك الآيات في سور الكهف وهود والملك، مؤكدة أن خلق الموت والحياة والكون الفسيح لم يكن عبثاً، بل ليبلوكم أيكم أخلص لله في عبادته وأصدق في توجهه.

فلسفة العبادة وجوهرها النفسي

إن إدراك حقيقة العبودية هو أشرف العلوم قاطبة، ولو فقه الناس هذا العلم حق الفقه لما وجد الاضطراب سبيلاً إلى قلوبهم، ولما تذبذبت مواقفهم بتغير الأماكن أو تبدل الأحوال. فالمؤمن الذي يعلم علم اليقين أنه “عبد مملوك” لله، لا يرى في العبادة مجرد طقوس تخضع للمزاج الشخصي أو الحالة النفسية، بل يراها التزاماً كلياً يجمع بين كمال الحب وكمال الذل.

فالعبادة في حقيقتها هي اسم جامع وشامل لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، سواء كانت ظاهرة على الجوارح أو باطنة في سويداء القلوب. إنها تقتضي أن يكون الخالق سبحانه أحب إلى العبد من نفسه وماله والناس أجمعين، وأن يكون تعظيمه في الصدر فوق كل عظيم. بهذا المفهوم، تتحول حياة الإنسان كلها إلى محراب كبير، لا يخرج فيه عن سلطان ربه طرفة عين، مستشعراً عظمة مَن يعبد وجلال مَن يرجو ويخاف.

وسام العبودية: تكريم الأنبياء والأصفياء

لقد رفع الله شأن العبودية حين جعلها الوصف الأسمى لأكرم خلقه؛ فمن الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادته ولا يفترون عن تسبيحه ليل نهار، إلى الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم. فقد وصف الله نوحاً عليه السلام بالعبد الشكور، وعيسى عليه السلام بالعبد الذي أنعم الله عليه وجعله مثلاً، وذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب بوصفهم “عبادنا” أولي الأيدي والأبصار، وأثنى على داوود وسليمان وأيوب بلقب “العبد الأواب”.

ولم يقف هذا التشريف عند هذا الحد، بل توج الله نبيه محمداً ﷺ بهذا الوصف في أعظم المقامات وأشرف اللحظات؛ فوصفه بالعبودية في مقام الإسراء (أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، وفي مقام الوحي (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ)، وفي مقام الدعوة والقيام لله (لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ)، وحتى في مقام التحدي (نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا). وهذا يؤكد أن العبودية لله هي قمة الحرية من رق الهوى، وهي الرفعة الحقيقية التي لا تضاهيها رفعة. ولذلك حذر النبي ﷺ من المبالغة في إطرائه بما يخرج عن مقتضى العبودية، قائلاً: “إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله”.

العبودية حصن من الغواية وطريق للجنان

إن الاستقامة على عبادة الله ليست مجرد نجاة في الآخرة، بل هي صمام أمان في الدنيا؛ فبها تستقيم السلوكيات، وتطهر النفوس من أدران الفواحش والموبقات. وقد جعل الله الإخلاص في العبودية سداً منيعاً أمام وسواس الشيطان؛ إذ اعترف إبليس نفسه بعجزه أمام “العباد المخلصين”، وأكد الله عز وجل أنه ليس للشيطان سلطان على عباده الصادقين. وخير شاهد على ذلك ما ذكره القرآن في قصة يوسف عليه السلام، حيث صرف الله عنه السوء والفحشاء لكونه من العباد المخلصين.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الانتكاس عن العبودية الحقة يؤدي إلى عبوديات زائفة ومذلة، كعبادة الدرهم والدينار والمظاهر الفانية، وهو ما حذر منه النبي ﷺ حين دعا بالتعاسة على “عبد الدينار والدرهم”. لذا، فإن ملازمة الطاعة والمداومة عليها هي أحب الأعمال إلى الله، وهي الطريق الموصل إلى جنات النعيم التي أورثها الله لعباده الذين آمنوا وكانوا مسلمين، حيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وحيث يتقلبون في لذات لا تنقطع بما كانوا يعملون في دنياهم.

الاستمرارية: ميثاق “ما دمت حياً”

إن العبادة في الإسلام ليست “موسمية” تنتهي بانتهاء شهر رمضان، وليست “ارتباطاً شرطياً” يزول بزوال المرض أو انتهاء الأزمات. إنها منهج حياة يبدأ منذ لحظة التكليف ولا ينتهي إلا بانقطاع النفس وخروج الروح من الجسد. إن المؤمن الحق هو الذي يعبد الله في الرخاء كما يعبده في الشدة، ويراقبه في الخلوة كما يراقبه في الجلوة.

إن البعض قد يربط استقامته بظروف معينة؛ فيجتهد في رمضان ويفتر بعده، أو يحافظ على الصلاة في أيام العمل ويضيعها في العطلات. لكن التوجيه الرباني جاء حاسماً بضرورة الديمومة: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ). واليقين هنا هو الموت. فالمؤمن الحقيقي لا يتأثر بمناخ التفريط المحيط به؛ فهو يصلي الفجر في جماعة سواء كان قد سهر أو نام مبكراً، ويتقي الله في سفره كما يتقيه في حضره، ويستحي من ربه وهو وحده كما يستحي منه أمام الملأ.

هذه الشمولية هي التي لخصها القرآن في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). فالحياة بكل تفاصيلها، والممات بكل ما يتبعه، ملك لله وخالص لوجهه. وهي الوصية التي نطق بها عيسى عليه السلام في مهده لتبقى شعاراً لكل مؤمن: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا). إنها استدامة لا تعرف الانقطاع، وعطاء لا يعرف الجفاف.

ثمار المداومة ودرجات أولي الألباب

لقد أثنى الله عز وجل على أصحاب العقول الراجحة (أولي الألباب) بوصف جوهري، وهو “الدوام” على ذكره في كل الأحوال: قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم. فالمداومة على العمل الصالح، وإن قلّ، هي التي تبني الشخصية الإيمانية الصلبة. وقد وعد الله المصلين الذين هم على صلاتهم “دائمون” والمحافظين عليها بجنات مكرمين.

وعندما سئل النبي ﷺ عن أحب الأعمال وأفضلها، أرشد إلى غاية عظيمة وهي: “أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله”. وهذا لا يتأتى إلا لمن جعل الذكر والعبادة ديدنه طوال حياته، حتى صار جزءاً من تكوينه الحيوي. إن المداومة على الطاعة هي التي تجعل العبد مستعداً للقاء ربه في أي لحظة، فلا يفجؤه الموت وهو في غفلة، بل يأتيه وهو في محراب العبودية.

الثبات في زمن الغربة والفتن

في الأوقات التي تكثر فيها الفتن، وتتلاطم فيها أمواج الشهوات والشبهات، وتضعف فيها عزائم الناس عن التمسك بالدين، تزداد قيمة العبادة وتتضاعف أجور المستمسكين بها. فالاستقامة في زمن الفتنة والهرج والميل نحو الدنيا تعدل في ثوابها “هجرة” إلى النبي ﷺ، كما أخبر الصادق المصدوق.

إن هؤلاء الذين يصلحون حين يفسد الناس، والذين يتمسكون بمنهج ربهم حين يتخلى عنه الكثيرون، هم “الغرباء” الذين بشرهم النبي ﷺ بـ “طوبى”. إنهم الذين فهموا أن العبادة ليست مجرد تبعية للقطيع، بل هي صلة مباشرة وشخصية ودائمة مع الخالق سبحانه. إنهم يدركون أن الله غفور رحيم للذين جاهدوا وصبروا بعدما فتنوا، فكانت عبادتهم في أوقات الشدة دليلاً على صدق إيمانهم وعمق يقينهم.

الخاتمة: دعوة للاستقامة الدائمة

يا عباد الله، إن ربكم الذي عبدتموه في الأيام الفاضلة، هو الرب الذي يستحق العبادة في كل يوم وساعة. اتقوا الله حق تقاته، واجعلوا من حياتكم سلسلة متصلة من الطاعات، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً. إن لزوم التعبد واستدامة العمل الصالح هما طوق النجاة في الدنيا وبوابة الخلود في الجنة.

فلنحرص على أن يكون لنا من كل طاعة نصيب دائم، ومن كل قربة ورد مستمر، مستشعرين دائماً قول الحق سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ). فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما دمنا أحياء، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *