ضلالات المتكلمين: كيف نحمي عقيدتنا من التشبيه والتعطيل؟

مقدمة: كمال الشريعة وحصانة الأصول

اعلموا -عباد الله- أن ديننا الحنيف جاء ببيان شافٍ، وشرعٍ مضبوط الأصول، محروس القواعد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إن شريعة الإسلام بناءٌ محكمٌ لا خلل فيه ولا دخل، صانها الله عز وجل من التناقض، وحفظها من الزيغ، وكذلك كانت كل الشرائع السماوية في أصل نزولها. غير أن الآفة الكبرى، والداهية الدهياء، إنما تدخل على الدين من قبل المبتدعين الذين استهوتهم الشياطين، أو الجهال الذين خاضوا فيما لا يحسنون، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.

إن الحفاظ على نقاء العقيدة الإسلامية الصحيحة هو المقصد الأسمى، لأن أي انحراف في الأصول يتبعه بالضرورة فسادٌ في الفروع، وضياعٌ للمنهج الذي رسمه لنا رب العالمين.

دروس من غلو الأمم السابقة

تأملوا ما جرى في الأمم قبلنا، وكيف عصفت بهم رياح الجهل والابتداع. انظروا إلى النصارى حين رأوا المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة على يد عيسى عليه السلام، ومنها إحياء الموتى بإذن الله. لقد بهرهم ذلك الفعل الخارق للعادة، وهو فعلٌ لا يصلح للبشر استقلالاً، فبدل أن يوحدوا الخالق، ذهبوا ينسبون الفاعل إلى الإلهية، فضلوا ضلالاً بعيداً.

ولو أنهم أعملوا عقولهم وتأملوا ذات عيسى عليه السلام، لعلموا يقيناً أنها ذاتٌ بشرية مركبة على النقائص والحاجات؛ فهو يأكل ويشرب، ويتألم ويحتاج، وهذا القدر وحده يكفي في بطلان دعوى إلهيته. فلو فقهوا، لعلموا أن ما جرى على يديه إنما هو فعل غيره، فعل الله الخالق الذي أيده بالمعجزات.

ولم يقف ضلالهم عند الأصول، بل تعدى إلى الفروع؛ فقد روي أن الله فرض عليهم صيام شهر، فزادوا فيه بآرائهم عشرين يوماً، ثم نقلوه إلى فصل من السنة يوافق أهواءهم، فبدلوا شرع الله بآراء البشر. ومن هذا الجنس أيضاً كان تخبط اليهود في أصولهم وفروعهم، مما أخرجهم عن جادة الصواب.

حال الأمة الإسلامية ومنزلقات الضلال

أما في أمتنا هذه، فقد قارب الضلال في بعض المسالك ما وقعت فيه الأمم السابقة، وإن كان الله قد حفظ عموم هذه الأمة من الشرك الصراح، والشك المطبق، والخلاف الشنيع الظاهر، وذلك لأنهم أعقل الأمم وأفهمها، ولأن الله تكفل بحفظ دينه. غير أن الشيطان، وهو العدو المتربص، قارب ببعض الطوائف ولم يطمع في إغراق الأمة جمعاء، ولكنه نجح في إغراق بعض الفرق في بحار الضلال المتلاطمة.

لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بكتاب عزيز، وصفه الله بقوله: “مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ”، وبين النبي صلى الله عليه وسلم بسنته ما قد يشكل فهمه، تنفيذاً لأمر ربه: “لِتُبَيِّن لِلنَّاسِ مَا نُزِّلِ إِلَيْهِم”. وبعد أن أكمل البلاغ، قال عليه الصلاة والسلام: “تركتكم على بيضاء نقية”.

ولكن، جاءت أقوام لم تقنع بهذا البيان النبوي، ولم ترضَ بطريقة الصحابة الكرام في الفهم والتسليم، فبحثوا بآرائهم القاصرة، وانقسموا شيعاً وأحزاباً.

المذهب الأول: أهل التعطيل والمحو

قسمٌ من هؤلاء المتكلمين تعرضوا لما بذل الشرع جهداً عظيماً في إثباته في القلوب، فعمدوا إلى محوه. إن القرآن والسنة يفيضان بإثبات وجود الله عز وجل بأوصاف تقرر عظمته في النفوس، كقوله تعالى: “ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ”، وقوله: “بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ”، وقوله لموسى عليه السلام: “وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي”.

وكذلك جاءت السنة المطهرة بما يثبت هذه الصفات، كقوله صلى الله عليه وسلم: “ينزل الله إلى السماء الدنيا”، وقوله في بسط يده لمسيء الليل والنهار، وإثبات الضحك والغضب لله عز وجل بما يليق بجلاله. وكل هذه النصوص، وإن كان ظاهرها قد يوهم التشبيه عند قاصر الفهم، إلا أن المراد الحقيقي منها هو إثبات وجود إله حقيقي له صفات كمال، لا مجرد عدمٍ لا يُوصف.

ولأن الشرع يعلم ما قد يطرق القلوب من توهمات التشبيه، فقد قطع ذلك الطريق بآية محكمة هي قوله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ”. لكن هؤلاء المعطلة عادوا إلى القرآن، المعجزة الكبرى، الذي أثبته الله بالنزول والوحي، فقال: “إنَّا أَنْزَلْنَاهُ”، و”نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ”، وجعل مقره الصدور: “فيْ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمِ”، والمصاحف: “فِي لَوْحٍ مَحفوظٍ”.

فقال هؤلاء المعطلة: “القرآن مخلوق”، فأسقطوا هيبته من النفوس، وأنكروا نزوله الحقيقي، زاعمين أنه لا يتصور نزوله، وتساءلوا بجهل: كيف تنفصل الصفة عن الموصوف؟ وما في المصحف إلا حبر وورق! وبذلك هدموا ما بناه الشارع في قلوب الخلق من تعظيم لكلام الله. وزادوا على ذلك بقولهم: إن الله ليس في السماء، ولا استوى، ولا ينزل، بل قالوا: ذاك رحمته، فمحوا من القلوب اليقين الذي أراد الشارع إثباته، وهذا لعمري هو الضلال المبين.

المذهب الثاني: أهل التشبيه والتجسيم

وعلى النقيض من ذلك، جاء آخرون فلم يقفوا عند حدود الشرع، بل خاضوا بآرائهم وأوهامهم حتى شبهوا الله بخلقه. لم يقنعوا بقوله تعالى: “ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ”، بل توهموا له كيفية ككيفية المخلوقين.

لقد وضع لهم بعض الملاحدة أحاديث مكذوبة، ودس لهم بعض السلف (ممن لم يتحروا) روايات ضعيفة، فلم يميزوا بين ما يجوز في حق الله وما لا يجوز. أخذوا مجازات اللغة وتوسع العرب في الكلام على ظاهرها الحسي الجامد، فصار مثلهم كمثل “جحا” في الحكاية المشهورة؛ حين قالت له أمه: “احفظ الباب”، فخلعه ومشى به وترك الدار للصوص، فلما ليم على ذلك قال: “قلتِ احفظ الباب ولم تقولي احفظ الدار!”.

هكذا فعل هؤلاء؛ تمسكوا بظواهر توهموها وتركوا أصل التنزيه. فلما تخيلوا صورة حسية على العرش، بدأوا يتأولون ما ينافي ذلك التخيل؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: “ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة”، قالوا: ليس المراد القرب، بل قرب المنزلة. بينما في قوله تعالى: “إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ”، قالوا: نحملها على ظاهرها في مجيء الذات! فهم يحلون عاماً ويحرمون عاماً، ويضطربون اضطراباً شديداً.

لقد أثبتوا صفاتٍ بناءً على إضافات، فسموا النفخ والروح صفات ذات، وزعموا أن الله خلق آدم بيده كآلة عمل، وقالوا لو قلنا خلق بقدرته لم يكن لآدم مزية، فغفلوا عن تنزيه الحق سبحانه عن المس والآلات، وشغلهم النظر في فضيلة آدم عن النظر فيما يليق بجلال الله.

التخبط في فهم الأحاديث والآثار

ومن عجيب تخبطهم، تمسكهم بحديث: “خلق الله آدم على صورته”، وفهموه فهماً حسياً شنيعاً، رغم أن سياق الحديث يمنع ذلك؛ إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل قبح الله وجهك ولا وجهاً أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته”. فلو كان المعنى كما ذهبوا إليه، لكان وجه الله -تعالى عن ذلك- يشبه وجه ذلك المخاصم!

ورأيناهم يروون آثاراً منكرة مثل حديث خولة بنت حكيم: “وإن آخر وطئة وطئها الله بوج”، وهم لا علم لهم بالنقل ولا بالسير. فالحقيقة أن المراد بـ “وطأة الله” هي وقعة المسلمين بأعدائهم في غزاة حنين (بمكان يسمى وج)، كقوله صلى الله عليه وسلم: “اللهم اشدد وطأتك على مضر”. لكنهم بجهلهم قالوا: نحمل الخبر على ظاهره وأن الله وطئ ذلك المكان! وكأن الله عندهم كان في الأرض ثم صعد، تعالى الله عن إفكهم علواً كبيراً.

وكذلك فعلوا في قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يمل حتى تملوا”، فجوزوا وصف الله بالملل حقيقة، وجهلوا لسان العرب، فالبيت الشعري يقول:

*لا يملُّ الشرَّ حتى يملّوا*

والمعنى: أنه لا يمل أبداً وإن ملوا هم. وتشبثوا بلفظ “الحقو” في حديث الرحم، وجعلوه صفة ذات، ورووا أحاديث لو ذكرت في أبواب الطهارة ونقض الوضوء لردت لضعفها، فكيف يقبلونها في أصول الدين؟ وكل ذلك من وضع الملاحدة أو خرافات القصاص، كقولهم: “خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر”. يثبتون هذه الجوارح ثم يحاولون إرضاء العوام بقولهم: “لكننا لا نثبت جوارح!”، فهم كمن يقول: “فلان قائم وليس بقائم”.

الخاتمة: منهج السلف والتحذير من التقليد في الأصول

إن هؤلاء المتخبطين، سواء من عطلوا أو من شبهوا، هم أخس فهماً من “جحا”؛ فقوله تعالى: “قائماً بالقسط” لا يراد به القيام الحسي، بل هو كقولنا: “الأمير قائم بالعدل”، أي مدبر له ومقيم لأركانه.

لقد ذكرتُ طرفاً من أقوالهم لكي يحذر المؤمن من الركون إليهم، فليس لهؤلاء فقهٌ يرتجى ولا عبادةٌ تقتدى، وإنما الطريق المستقيم هو طريق السلف الصالح، الذين أثبتوا ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تشبيه.

واعلم -يا رعاك الله- ما قاله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: “من ضيق علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال”. فلا ينبغي لك أن تسمع من معظمٍ في النفوس كلاماً في أصول العقيدة فتقلده فيه دون بصيرة. وإذا سمعت عن إمامٍ عظيمٍ ما لا يوافق الأصول الصحيحة، فقل: لعل هذا من خطأ الراوي، لأن الأئمة الكبار ثبت عنهم أنهم لا يقولون في الدين بآرائهم المجردة.

وحتى لو قدرنا صحة ذلك القول عنهم، فإن الأصول لا يُقلد فيها أحد، لا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما، فكيف بمن دونهما؟ هذا أصلٌ عظيم يجب أن تبني عليه فهمك، فلا يهولنك ذكر الأسماء المعظمة إذا خالفت صريح التنزيه.

إن المقصود من هذا البيان هو إيضاح أن ديننا سليمٌ في جوهره، نقيٌ في أصله، وما هذه الكدورات إلا سمومٌ أدخلها أقوامٌ ضلوا الطريق، فاحذرهم على دينك، واستمسك بما كان عليه الرعيل الأول، تفز بالنجاة في الدنيا والآخرة.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *