فقه التركة الرقمية: دليل شامل لتوريث الحسابات والأصول المشفرة في الشريعة الإسلامية

مقدمة: مفهوم التركة الرقمية في العصر الحديث

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ فإن الشريعة الإسلامية بمرونتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، واجهت في العصر الحديث تحديات تقنية فرضت واقعاً جديداً على مفهوم الملكية. لم يعد المال محصوراً في الذهب والفضة أو العقارات الملموسة، بل برزت إلى السطح ما تُسمى بـ “التركة الرقمية”. تشمل هذه التركة كل ما يتركه المتوفى من أصول مشفرة (Cryptocurrencies)، وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، ومداونات، وقنوات يوتيوب مدرة للدخل، وصولاً إلى البيانات الشخصية والحقوق الفكرية المسجلة إلكترونياً.

إن إشكالية التركة الرقمية تكمن في طبيعتها الافتراضية؛ فهي أصول غير مادية لكنها ذات قيمة مالية أو معنوية معتبرة. من هنا، وجب على الفقهاء المعاصرين تكييف هذه الأصول شرعاً لتحديد مدى خضوعها لأحكام الميراث الواردة في محكم التنزيل، وضمان عدم ضياع حقوق الورثة في ظل التعقيدات التقنية وشروط الاستخدام التي تفرضها الشركات العالمية.

أولاً: التكييف الفقهي للمال الرقمي والأصول الافتراضية

قبل الخوض في تفاصيل التوريث، يجب الإجابة على سؤال جوهري: هل الأصول الرقمية تُعد “مالاً” بالمنظور الشرعي؟

  • رؤية الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): المال هو كل ما له قيمة بين الناس ويجوز الانتفاع به شرعاً. وبناءً عليه، فإن الأصول الرقمية التي يمكن تقييمها بالمال (كالعملات المشفرة والنطاقات الإلكترونية) هي أموال معتبرة تُورث.
  • رؤية الحنفية: ركز الحنفية قديماً على صفة “التمول” و”الإحراز” (الحيازة المادية). إلا أن الاجتهاد المعاصر داخل المذهب يتجه إلى اعتبار الحقوق والنافع أموالاً، خاصة إذا جرى العرف على قيمتها المالية.

بناءً على ذلك، يمكن تقسيم التركة الرقمية إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
1. أصول ذات قيمة مالية بحتة: مثل محفظة البيتكوين، الرصيد في البنوك الإلكترونية، والقنوات المفعلة للربح. هذه تأخذ حكم المال وتُقسم حسب الأنصبة الشرعية.
2. أصول ذات قيمة معنوية وأدبية: مثل الحسابات الشخصية، الصور، والمراسلات. هذه تخضع لضوابط الخصوصية وحرمة الميت.
3. حقوق الملكية الفكرية: مثل الكتب الإلكترونية، البرمجيات، وبراءات الاختراع المنشورة رقمياً، وهي حقوق مالية ثابتة للورثة.

ثانياً: الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة

استند الفقهاء في إثبات حق الورثة في التركة الرقمية إلى عموم النصوص الآتية:

1. من القرآن الكريم: قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} (النساء: 7). فكلمة “ما ترك” جاءت عامة لتشمل كل ما يخلفه الميت، سواء كان ملموساً أو رقمياً.

2. من السنة النبوية: قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من ترك مالاً فلورثته” (متفق عليه). والأصول الرقمية اليوم تُباع وتُشترى ولها أسواق عالمية، فهي تدخل يقيناً في مسمى “المال”.

3. قاعدة “العرف”: في الفقه الإسلامي، العرف مصدر من مصادر التشريع فيما لم يرد فيه نص خاص. وقد جرى عرف الناس اليوم على أن الحسابات والبيانات ذات قيمة، وتُبذل في سبيلها الأموال، فصارت لها حرمة المال وحقوقه.

ثالثاً: الدروس العملية والضوابط الشرعية لتوريث الحسابات

عند التعامل مع التركة الرقمية، يجب مراعاة جملة من الضوابط والدروس العملية لضمان موافقة الشريعة:

  • حرمة الخصوصية (ستر العورة): الحسابات الشخصية التي تحتوي على أسرار أو مراسلات خاصة لا يجوز للورثة الاطلاع عليها إلا لضرورة (كقضاء دين أو إبراء ذمة)، وذلك عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: “من ستر مسلماً ستره الله”. ويُفضل في هذه الحالة إغلاق الحساب أو تحويله لصفحة تذكارية دون الدخول في الخصوصيات.
  • العملات المشفرة والوصية: نظراً لأن العملات الرقمية محمية بمفاتيح خاصة (Private Keys)، فإن ضياعها يعني ضياع المال. لذا، يُعد من الواجب الشرعي (من باب حفظ المال) أن يوصي صاحبها بطريقة الوصول إليها لورثته، مع الالتزام بحدود الوصية لغير الوارث.
  • الصدقة الجارية والوزر الجاري: التركة الرقمية قد تكون باباً للحسنات (كقنوات العلم النافع) فتبقى للورثة وللميت صدقة جارية، أو باباً للآثام (كالمحتوى المحرم)، وهنا يجب على الورثة شرعاً السعي لحذف هذا المحتوى لإيقاف الضرر عن الميت.
  • الديون والالتزامات: التركة الرقمية المالية (مثل أرصدة PayPal) تُستخدم أولاً في سداد ديون المتوفى وتجهيزه قبل تقسيمها على الورثة، تماماً كالعقارات والمنقولات.

رابعاً: معوقات توريث التركة الرقمية وحلولها

تواجه عملية توريث الحسابات الإلكترونية عوائق تقنية وقانونية، حيث تعتبر بعض الشركات (مثل جوجل وفيسبوك) أن الحساب حق شخصي ينتهي بوفاة صاحبه. وهنا يأتي دور “المصالح المرسلة” في الفقه الإسلامي، حيث يجب على الدول الإسلامية سن تشريعات تلزم الشركات التقنية بتسهيل انتقال الأصول الرقمية للورثة الشرعيين بناءً على إعلام الوراثة الصادر من المحاكم الشرعية.

كما يُنصح تقنياً باستخدام ميزة “الوارث الرقمي” أو “الوصي على الحساب” التي توفرها بعض المنصات، وهي تكييف معاصر لمفهوم “الوصي” في الفقه الإسلامي، حيث يُعين الشخص في حياته من يدير شؤونه الرقمية بعد وفاته.

خاتمة: نحو رؤية فقهية متكاملة للمستقبل الرقمي

ختاماً، إن فقه التركة الرقمية هو امتداد لنظام الميراث الرباني المعجز الذي استوعب تحولات الحضارة الإنسانية. إن اعتبار الأصول المشفرة والحقوق المعنوية جزءاً من التركة ليس مجرد ترف فكري، بل هو صيانة لحقوق العباد ومنع لأكل أموال الناس بالباطل.

نوصي كل مسلم يمتلك أصولاً رقمية معتبرة أن يكتب وصيته، ويحدد فيها كيفية الوصول إلى هذه الأصول، مع مراعاة تقوى الله فيما يتركه خلفه، فالعالم الرقمي مرآة لأعمالنا في الواقع. رحم الله موتانا، وحفظ حقوقنا، وجعل زادنا الرقمي حجة لنا لا علينا. والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *