سورة الإسراء: دستور النصر الإلهي ومعالم الصراع على الأرض المقدسة

# سورة الإسراء: خارطة الطريق الربانية للنصر والتمكين

تمر الأمة الإسلامية في واقعنا المعاصر بمرحلةٍ تاريخية فارقة، احتدَم فيها الصراع وتصادمت فيها الإرادات مع اليهود المنتسبين زورًا إلى التوراة ونبي الله الكليم موسى -عليه السلام-. وفي ظل هذه الأجواء اللاهبة، يغدو لزامًا على كل مسلم غيور أن يرتد بفكره وقلبه إلى مأرز الإيمان، ليتأمل في آيات الذكر الحكيم، وتحديدًا في سورة الإسراء؛ تلك السورة التي لم تكن مجرد سردٍ لحدثٍ إعجازي، بل كانت تجربة فريدة استعرضت تاريخ بني إسرائيل في إقامة الدولة والحكم، ورسمت للأمة المحمدية معالم الطريق نحو السيادة والاستخلاف.

سياق النزول: من رحم المحنة يولد المنح

نزلت سورة الإسراء في مرحلةٍ من أشد مراحل الدعوة الإسلامية حرجًا وقسوة؛ حيث تداعت قوى الباطل في مكة للإجهاز على النور النبوي، لا سيما بعد عام الحزن الذي فقد فيه النبي ﷺ سندَيْه: عمه أبا طالب الذي كان يذود عنه، وزوجه خديجة -رضي الله عنها- التي كانت تواسيه بمالها ونفسها. في تلك الظروف، نالت قريش من النبي ﷺ ما لم تكن تجرؤ عليه من قبل، فأسرفوا في إيذائه، ووضعوا العراقيل الكؤود في طريق دعوته.

وعندما ضاقت مكة برحابتها، يمَّم النبي ﷺ وجهه نحو الطائف، يصحبه حِبّه ومولاه زيد بن حارثة، يحدوه الأمل في أن يجد قلوبًا واعية تستجيب للحق. لكن القوم هناك كانوا أشد لؤمًا وقسوة؛ فلم يكتفوا بالصد، بل أغروا سفهاءهم وعبيدهم برجمه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين. عاد النبي ﷺ إلى مكة بقلبٍ مكلوم وهمٍّ ثقيل، وفي تلك اللحظات الحالكة، كانت رحلة الإسراء والمعراج منحةً إلهية، تلتها سورة الإسراء لتكون تثبيتاً لقلبه، وتكريماً لشخصه، وتسريةً للمؤمنين، ورسماً دقيقاً لقوانين النصر والهزيمة التي لا تجامل أحداً.

بين يدي السورة: أسماء ودلالات

سورة الإسراء هي سورة مكية بامتياز، تبلغ آياتها مائة وإحدى عشرة آية وفق عدّ أهل الكوفة. تقع في ترتيب المصحف الشريف بعد سورة النحل وقبل سورة الكهف، حاملةً الرقم السابعة عشرة في المصحف، والخمسين في ترتيب النزول.

تعددت أسماء هذه السورة العظيمة، وكل اسمٍ يفتح نافذةً على كنوزها:
1. سورة الإسراء: وهو أشهر أسمائها؛ لافتتاحها بالحديث عن المعجزة الكبرى التي ربطت بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، مؤكدةً قداسة الأرض المباركة.
2. سورة بني إسرائيل: لتعرُّضها لتفاصيل دقيقة في تجربة بني إسرائيل مع الحكم وإقامة الدولة، وهي تفاصيل لم تُعرض بهذا الشكل في غيرها.
3. سورة سبحان: إجلالاً للحدث العظيم والقدرة الإلهية المطلقة التي بدأت بها السورة.

إن الموضوع المحوري للسورة هو “الكتاب” بمفهومه الشامل؛ فالوحي هو قطب الرحى الذي تدور حوله شؤون الأمم. تناولت السورة كتاب موسى (التوراة)، وكتاب الله الأزلي (اللوح المحفوظ)، وكتاب الحسنات والسيئات، وفي القلب من ذلك كله: القرآن الكريم، كلمة الله الأخيرة والمهيمنة.

المسجد الأقصى: سر الربط العبادي والسياسي

افتُتحت السورة بقوله تعالى: {سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. إن البدء بمسجد والانتهاء بمسجد ليس محض صدفة، بل هو إشارة ربانية إلى دور المسجد كمحضنٍ للانطلاق ومركزٍ للاستخلاف.

هذا الربط بين المسجدين هو إعلانٌ صريح عن وحدة عقيدة التوحيد من لدن إبراهيم -عليه السلام- إلى محمد ﷺ، وإشارة إلى انتقال عهدة الكتاب السماوي وأمانة النبوات من بني إسرائيل -الذين فرطوا في الأمانة- إلى أمة الإسلام. لقد كان الإسراء بمثابة تسليمٍ وتسلم لمقاليد القيادة الروحية للعالم، لتكون القدس جزءاً أصيلاً من عقيدة المسلم لا يقبل التنازل أو النسيان.

تجربة بني إسرائيل: سنن لا تتخلف

انتقل السياق القرآني مباشرةً للحديث عن بني إسرائيل: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا}. لقد أقام بنو إسرائيل دولتهم بناءً على الوحي، لكنهم ما رعوا هذه النعمة حق رعايتها، فاستعلوا في الأرض وأفسدوا، فكان الجزاء من جنس العمل.

تضع السورة قاعدة ذهبية في قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}. إن الدول لا تبقى بقوتها المادية فحسب، بل بمدى التزامها بمنهج الله. وعندما فسدت دولة بني إسرائيل، سُلِّط عليهم من يذيقهم الويلات، وهي سنة جارية: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}. وهذا درسٌ بليغ للمسلمين؛ فالاستخلاف ليس تشريفاً مجرداً، بل هو تكليف ومسؤولية، ومن ضيَّع أمانة الوحي ضاعت منه هيبة الملك.

القرآن الكريم: الروح والمحرك للنصر

انفردت سورة الإسراء بذكر لفظ “القرآن” إحدى عشرة مرة، وهو تكرار لافت يربط بين الكتاب وبين طبيعة الصراع. يقول تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.

إن النصر في الصراع الوجودي على الأرض المقدسة لا يتحقق بالعدة والعتاد فحسب، بل بالاصطباغ بصبغة القرآن. لقد صنع القرآن من العرب أمةً سادت العالم، وهو القادر اليوم على صياغة الإنسان المسلم القادر على انتزاع حقه. إن إهمال القرآن هو السبب الرئيس في تسلط الأعداء، وطريق العودة يبدأ من جعل القرآن روحاً تحيا بها القلوب، ومنهجاً تدار به الحياة.

دستور الأخلاق: جبهة النصر الداخلية

رسمت السورة لوحة أخلاقية متكاملة (الآيات 22-39)، تمثل الدستور الأخلاقي للمجتمع الذي يستحق التمكين. فلا نصر مع عقوق الوالدين، ولا تمكين مع إهدار الدماء، ولا سيادة مع أكل مال اليتيم أو الغش في الموازين.

اشتملت هذه الآيات على:

  • التوحيد: كبداية ونهاية للأخلاق.
  • الوفاء بالحقوق: للوالدين، وذي القربى، والمسكين، وابن السبيل.
  • الاعتدال: في الإنفاق وترك التبذير.
  • العفة وحرمة الدماء: المحافظة على النفس والعرض.
  • الأمانة العلمية والاقتصادية: الوفاء بالعهد، وإيفاء الكيل، والتثبت من الأخبار.
  • التواضع: نبذ الكبر والخيلاء.

هذه الأخلاق هي التي تحول المجتمع من مجرد تجمع بشري إلى “عباد لله”، وهو الوصف الذي استحق به المؤمنون دخول المسجد الأقصى فاتحين: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا}.

العبودية: سر القوة المطلقة

تكرر لفظ “العبودية” في السورة بشكل ملفت؛ فوصف النبي ﷺ بالعبد في مطلعها، ونوحاً بالعبد الشكور، وجيل النصر بالعباد أولي البأس. إن التحرر الحقيقي لا يكون إلا بالعبودية لله وحده، وعندما يتحرر المسلم من عبودية الهوى والمادة والقوى الأرضية، يصبح جندياً ربانياً لا يقهر.

وتؤكد السنة النبوية هذا المعنى في حديث الملحمة الخاتمة؛ حيث ينطق الشجر والحجر قائلاً: “يا مسلم يا عبد الله”، فهو نداء يجرّد الإنسان من كل الانتماءات الضيقة ليربطه بالانتماء الأسمى الذي يتحقق به النصر.

الخاتمة: سنة الله في المفسدين

ختمت السورة بالحديث عن هلاك فرعون ووراثة بني إسرائيل للأرض بعده حين كانوا مؤمنين، لتقرر حقيقة أبدية: أن الطغيان مهما علا فمصيره الغرق والزوال. واليوم، يعيد التاريخ نفسه؛ فمن أفسد في الأرض واستكبر بغير الحق، فإن سنن الله لا تتبدل، وستؤول الأرض في النهاية لعباده الصالحين الذين تمسكوا بكتابهم.

إن سورة الإسراء هي دعوة متجددة للأمة الإسلامية لتعيد قراءة واقعها في ضوء الوحي، وتوقن أن مفاتيح بيت المقدس تبدأ من إصلاح النفس والتمسك بهدي القرآن الكريم، والتحلي بأخلاق العبودية الحقة. نسأل الله أن يردنا إلى دينه مرداً جميلاً، وأن يرزقنا صلاة في المسجد الأقصى وهو عزيز شامخ.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *