هندسة الثبات الأخلاقي: سيكولوجية اليقين في سيرة الإمام سعيد بن جبير

مقدمة: مفهوم هندسة الثبات في زمن المتغيرات

في عالمٍ يموج بالتحولات المتسارعة والفتن المتلاحقة، تبرز الحاجة الماسة إلى ما يمكن تسميته بـ “هندسة الثبات الأخلاقي”. إنها عملية بناء داخلي متينة تجعل الإنسان راسخاً أمام رياح الشهوات والشبهات، مستنداً إلى ركن شديد من الإيمان واليقين. وقد وضع القرآن الكريم حجر الأساس لهذه الهندسة في قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: 27].

إن الثبات ليس مجرد حالة عاطفية عابرة، بل هو نتاج لمنظومة متكاملة من الوعي المعرفي والسكينة الروحية، وهو ما نطلق عليه “سيكولوجية اليقين”. وفي تاريخنا الإسلامي الحافل، تتجسد هذه المعاني بأبهى صورها في سيرة الإمام التابعي الجليل سعيد بن جبير -رحمه الله-، الذي قدم نموذجاً فريداً في مواجهة الطغيان بروح مطمئنة لا تعرف التزعزع.

أولاً: سيكولوجية اليقين.. الجذور والمقومات

اليقين هو أعلى مراتب الإيمان، وهو الرؤية القلبية التي لا يخالطها شك. في علم النفس الإسلامي، اليقين هو المحرك الأساسي للسلوك الثابت. عندما يمتلئ القلب باليقين بوعود الله، تتضاءل أمام العين كل القوى المادية الأرضية. يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: “احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك” (رواه الترمذي).

هذه الروحانية ليست انعزالاً عن الواقع، بل هي إعادة صياغة للواقع من منظور الوحي. هندسة الثبات تبدأ من:

  • المعرفة بالله: إدراك صفات الجلال والكمال، مما يورث الهيبة والتعظيم لله وحده.
  • تزكية النفس: تطهير الباطن من عبودية الأغيار، ليكون الإخلاص هو الوقود المحرك.
  • استحضار الدار الآخرة: الذي يجعل الدنيا مجرد قنطرة، مما يهون المصائب والابتلاءات.

ثانياً: سعيد بن جبير.. العالم الرباني والمنهج القويم

كان سعيد بن جبير من أوعية العلم الكبار، حتى قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: “مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه”. لم يكن سعيد مجرد ناقل للنصوص، بل كان فقيهاً يدرك مقاصد الشريعة، ويتمتع بوعي سياسي واجتماعي عميق. هذا العلم هو الذي شكل لديه “الحصانة الفكرية” ضد الانزلاق في الفتن أو المداهنة على حساب الحق.

إن الربط بين العلم والعمل هو جوهر هندسة الثبات. فالعلم بلا عمل هو حجة على صاحبه، والعمل بلا علم هو ضلال وتخبط. لقد آمن سعيد بن جبير بأن العالم هو حارس القيم، وأن مسؤوليته الأخلاقية تقتضي الصدع بالحق مهما كان الثمن، امتثالاً لقوله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) [الأحزاب: 39].

ثالثاً: المواجهة الكبرى.. هندسة الثبات في حضرة الطغيان

تعتبر قصة استشهاد سعيد بن جبير على يد الحجاج بن يوسف الثقفي من أعظم الملاحم في تاريخ الثبات الأخلاقي. عندما جيء بسعيد مقيداً، لم يكن منكسر النفس، بل كان شامخاً ببيانٍ ساحر وقلبٍ ذاكر. سأله الحجاج: “ما اسمك؟”، فأجاب: “سعيد بن جبير”، فقال الحجاج: “بل أنت شقي بن كسير!”، فرد سعيد بكل ثقة ويقين: “أمي كانت أعلم باسمي منك”.

هذا الحوار يبرز سيكولوجية اليقين؛ فالألقاب الأرضية والتهديدات المادية لا قيمة لها أمام حقيقة العبودية لله. وعندما أُمر بذبحه، قال كلمته الخالدة التي هزت عرش الظلم: “اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي”. لقد كان موته ولادة جديدة لمنهج الثبات، حيث انكسرت شوكة الحجاج المعنوية قبل أن يموت هو الآخر بعدها بأيام قليلة.

إن ثبات سعيد بن جبير لم يكن تهوراً، بل كان اختياراً واعياً مبنياً على رؤية شرعية ترى أن بقاء القيم وحمايتها أولى من بقاء الجسد الفاني. وهذا هو جوهر قوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) [الأحزاب: 23].

رابعاً: كيف نبني هندسة الثبات في واقعنا المعاصر؟

إننا اليوم نواجه فتناً من نوع مختلف؛ فتن الشبهات الفكرية، وضغوط الاستهلاك المادي، واهتزاز المعايير الأخلاقية. ولتطبيق منهج سعيد بن جبير في واقعنا، نحتاج إلى الخطوات التالية:

  • تأسيس الوعي الشرعي: فلا ثبات بلا علم رصين يفرق بين الحق والباطل، وبين الثوابت والمتغيرات.
  • بناء المجتمع الصالح: فالإنسان مدني بطبعه، والثبات يحتاج إلى بيئة حاضنة (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف: 28].
  • الممارسة الأخلاقية اليومية: الثبات في المواقف الكبرى يبدأ من الصدق في المواقف الصغرى؛ في البيع والشراء، في تربية الأبناء، وفي أداء الأمانة.
  • التعلق بالقرآن الكريم: فهو المصدر الأول للتثبيت، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) [الفرقان: 32].

خاتمة: ميراث اليقين

إن سيرة الإمام سعيد بن جبير تبرهن على أن القوة الحقيقية ليست في السلاح أو السلطان، بل في الكلمة الحرة والقلب المتصل بخالقه. هندسة الثبات الأخلاقي هي دعوة لكل مسلم ليعيد بناء جدرانه الداخلية على أساس من سيكولوجية اليقين، ليكون صامداً في وجه الأعاصير، نافعاً لأمته، ومرضياً عند ربه.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *