يشهد العالم تحولاً جذرياً في موازين القوى، حيث تسعى الأقطاب الثلاثة الكبرى — الولايات المتحدة، الصين، وروسيا — إلى إعادة تعريف نفوذها في نظام عالمي باتت تحكمه لغة القوة والمصالح المباشرة. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، يبرز تساؤل جوهري حول كيفية استخدام هذه الدول لأدواتها العسكرية والاقتصادية والسياسية لفرض هيمنتها، ليس فقط على محيطها الجغرافي، بل على الساحة الدولية بأكملها.
الاستراتيجية الأمريكية: إحياء عقيدة مونرو برؤية “أمريكا أولاً”
في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، تشهد السياسة الخارجية الأمريكية تحولاً ملحوظاً نحو التركيز على نصف الكرة الغربي. وقد تجلى ذلك بوضوح في تصريحاته عقب العمليات العسكرية التي استهدفت النظام الفنزويلي، حيث أكد أن الهيمنة الأمريكية في المنطقة لن تكون موضع شك بعد الآن. هذا التوجه يمثل عودة قوية لـ “عقيدة مونرو” التي تعود للقرن التاسع عشر، والتي ترفض أي تدخل خارجي في شؤون القارتين الأمريكيتين.
تعتمد رؤية ترامب، التي يروج لها مستشاروه مثل ستيفن ميلر، على مبدأ “أمريكا أولاً”، مع التركيز على قضايا تمس الداخل الأمريكي مباشرة مثل الهجرة وتهريب المخدرات. ولا تقتصر هذه الطموحات على تأمين الحدود، بل تمتد لتشمل ضغوطاً اقتصادية ومطالبات بضم أقاليم أو تعزيز التواجد في مناطق استراتيجية مثل قناة بنما وغرينلاند، مما يعكس رغبة في بناء نوع جديد من الإمبراطورية الأمريكية التي تعتمد على البراغماتية الصرفة والقوة العسكرية المتفوقة.
الصين: الهيمنة عبر التصنيع وسلاسل التوريد العالمية
على الجانب الآخر، تتبنى بكين استراتيجية مختلفة تماماً تعتمد على قوتها الصناعية الهائلة. الصين، التي تنتج ثلث السلع العالمية، لم تعد مجرد مصنع للعالم، بل أصبحت المتحكم الأول في تكنولوجيا المستقبل. من خلال السيطرة على نحو 90% من المعادن الأرضية النادرة الضرورية لصناعة الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والأسلحة المتطورة، تملك الصين سلاحاً اقتصادياً فعالاً تستخدمه في حروبها التجارية.
وتحت قيادة شي جين بينغ، توسع الصين نفوذها عبر “مبادرة الحزام والطريق”، وهي مشروع بنية تحتية ضخم يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا. هذا التوسع لم يغير فقط موازين التجارة العالمية — حيث باتت أغلب دول العالم تتبادل تجارياً مع الصين أكثر من أمريكا — بل قدم نموذجاً للتحديث الاقتصادي بعيداً عن القيم الغربية، مما يجذب الاقتصادات الناشئة التي تبحث عن النمو دون شروط سياسية.
روسيا وطموح استعادة “الخارج القريب”
أما روسيا، فتنصب رؤيتها على استعادة ما فقده الاتحاد السوفيتي، وهو ما يصفه فلاديمير بوتين بأنه “أكبر كارثة جيوسياسية”. تتبنى موسكو مفهوم “الخارج القريب”، معتبرة أن لها حقوقاً مشروعة في التدخل في شؤون الجمهوريات السوفيتية السابقة. هذا المفهوم ترجمته روسيا عملياً عبر استخدام القوة العسكرية في جورجيا عام 2008، وضم القرم في 2014، ثم الغزو الشامل لأوكرانيا في 2022.
تعتمد روسيا استراتيجية “الاحتلال الزاحف” لفرض سيطرتها، مستغلة غياب رد الفعل الغربي الحاسم في البدايات لتعزيز نفوذها. وبالنسبة للكرملين، فإن الحدود الروسية “لا تنتهي أبداً”، مما يضع الدول المجاورة أمام خيارين: إما البقاء في المدار الروسي أو مواجهة ضغوط اقتصادية وعسكرية هائلة قد تنتهي بتغيير حدودها الجغرافية.
مستقبل النظام العالمي: صراع الإرادات والقوة
إن عودة مفهوم “مناطق النفوذ” يشير إلى نهاية حقبة المثالية الدولية التي تلت الحرب الباردة، حيث كانت الجهود تنصب نحو بناء مجتمع دولي متساوٍ. اليوم، نرى عالماً ينقسم مجدداً بين قوى تسعى لفرض نظامها الخاص. وبينما تركز واشنطن على أمنها الإقليمي وقوتها العسكرية، وتتوسع بكين عبر التجارة والتكنولوجيا، وتناضل موسكو لاستعادة أمجادها التاريخية، يجد العالم نفسه أمام حقبة جديدة من صراع القوى العظمى التي قد تعيد رسم خريطة القرن الحادي والعشرين بشكل غير مسبوق.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً