مقدمة: طبيعة الحياة بين الابتلاء والاحتياج
تمرُّ بالنفس الإنسانية في رحلتها الدنيوية محطاتٌ شائكة، تنوءُ فيها الروح بآلام الفقد، أو عجز الفقر، أو مرارة الخيبة، أو ثقل الذنب. هذه الابتلاءات ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي جزء من نسيج الحياة الذي وصفه الخالق بقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد: 4]. وفي لحظات الانكسار تلك، حين تضيق الأرض بما رحبت، وتغلق الأبواب في وجوه السائلين، تبرز حاجة الفطرة إلى قوة غيبية رحيمة، تلمُّ الشعث، وترمم الصدع، وتعيد للقلب توازنه. هنا تتجلى أنوار اسم الله “الجبار”، ليس فقط كاسمٍ يدل على العظمة والقوة، بل كملاذٍ آمن ومرفأٍ حانٍ تنكسر عنده أمواج اليأس.
أبعاد المعنى لاسم الله الجبار
يعتقد الكثيرون أن اسم الله “الجبار” لا يحمل إلا معنى القهر والسيطرة، ولكن المتأمل في لغة العرب ودلالات الشرع يجد لهذا الاسم أبعاداً ثلاثة تتكامل لتشكل صورة الجلال والجمال:
- جبر القوة: وهو الذي لا يخرج عن سلطانه شيء، القاهر لكل شيء، الذي خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة.
- جبر العلو: فهو العليُّ بذاته وقدره، الذي لا تُنال عظمته ولا يُدرك كنهه.
- جبر الرحمة والإصلاح: وهذا هو المعنى الأقرب لقلوب المنكسرين، فهو الذي يجبر الفساد، ويغني الفقير، وييسر العسير، ويجبر الكسير بجميل لطفه.
لقد جاء ذكر هذا الاسم في القرآن الكريم في موضعٍ واحد في سورة الحشر: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر: 23]. إن مجيئه بين أسماء السلام والمؤمن والعزيز يوحي بأن جبره سبحانه ليس جبر ظلم، بل هو جبر عزٍّ وحمايةٍ وتأمين.
تجليات الجبر الإلهي في انكسار الروح
ما من إنسان إلا وله في حياته “كسرٌ” ما؛ فقد يكون كسراً في الرزق، أو في الصحة، أو في العلاقات الإنسانية. وعظمة الله تتجلى في أنه يرى تلك الكسور الدقيقة التي قد لا يشعر بها أقرب الناس إليك. إن الله سبحانه يرمم النفس من خلال:
أولاً: جبر القلوب عند المصائب: حين يفقد الإنسان حبيباً، يشعر أن قطعةً من قلبه قد انتزعت، فيأتي الجبار ليربط على ذلك القلب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “إنما الصبر عند الصدمة الأولى”، وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم المشهور بين السجدتين: “اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني” (رواه الترمذي). كلمة “واجبرني” هنا تعني: أصلح حالي، وعوضني عما فقدت، واملأ فراغ قلبي بنورك.
ثانياً: جبر المذنبين بالستر والتوبة: إن الذنب كسرٌ عظيم في جدار الروح، يشعر معه العبد بالوحشة والبعد. لكن الجبار لا يدع عبده منكسراً بذنبه إذا أقبل عليه، بل يجبر هذا الكسر بفتح باب التوبة وتدثير العبد بسترٍ جميل. قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53]. هذا النداء في حد ذاته هو “جبرٌ” لخواطر المذنبين وتطييبٌ لنفوسهم المثقلة.
مرافئ الجبر في السيرة النبوية
كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس شعوراً بآثار اسم الله الجبار في حياته. تأملوا حاله يوم الطائف، حين أخرجه القوم وآذوه، فجلس في ظل نخلة يناجي ربه بكلمات تفيض انكساراً: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي…”. فجاءه الجبر الإلهي سريعاً؛ لم يكن الجبر حينها بهلاك أهل الطائف، بل كان برحلة الإسراء والمعراج، حيث طاف بالنبي صلى الله عليه وسلم في ملكوت السماوات ليعلمه أن ضيق الأرض يقابله اتساع السماء، وأن جبر الله آتٍ لا محالة.
وكذلك كان جبر الله لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها حين مات زوجها أبو سلمة، فقالت ما علّمها النبي: “اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها”، فكان جبر الجبار لها بأن خلف لها رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجاً، وهو خير البشر قاطبة.
كيف نستجلب جبر الله في حياتنا؟
الجبر الإلهي ليس عطاءً مادياً فحسب، بل هو طمأنينة تنزل على القلب فتقلب المحنة منحة. ولكي يعيش العبد في كنف الجبار، عليه بتمثل الآتي:
- تحقيق عبودية الانكسار: قال ابن القيم رحمه الله: “فلله سبحانه من القلوب المنكسرة لأجله ما ليس لغيرها”. إن أقرب ما يكون العبد من الجبار وهو ساجد، معترفٌ بعجزه، طارقٌ لباب ربه بقلبٍ ذليل.
- جبر خواطر الخلق: الجزاء من جنس العمل، فمن سار بين الناس جابراً للخواطر، أدركه الله في جوف المخاطر. كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتقر أحداً، ويجبر خاطر الصغير واليتيم والأرملة.
- اليقين بحكمة الله: الجبار قد يكسر ليعطي، وقد يمنع ليدخر. إن إيمانك بأن الله (الجبار) يعلم موطن الضعف فيك وسيرممه في الوقت المناسب هو قمة التوكل. قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2-3].
خاتمة: لا كسر على من استجار بالجبار
إن اسم الله الجبار هو البلسم الشافي لكل جراح الروح، وهو الملاذ الذي نلجأ إليه حين تخذلنا الأسباب الأرضية. فإذا شعرت بالظلم، فاعلم أن الجبار ينصر المظلوم ويجبر كسره. وإذا شعرت بالوحدة، فاعلم أن الجبار يؤنس المستوحشين. إن الله لا يترك قلباً صادقاً في انكساره دون أن يجبره بجميل عطفه، فربُّ الكسر هو ربُّ الجبر.
لذا، ليكن شعارك في كل أزمة: يا جبار اجبرني. ثق أن الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، قادرٌ على أن يمسك قلبك عن الانهيار، وأن يبدل حزنك سروراً، وضيقك سعة. فما من كسرٍ أصابك إلا وهو طريقٌ لمزيدٍ من القرب والافتقار لرب العالمين، الذي وعد الصابرين بقوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].

اترك تعليقاً