مستقبل الاتحاد الأوروبي: بين مطرقة الهزيمة العسكرية وسندان التراجع العالمي
كشف اندلاع الصراع في أوكرانيا عن تصدعات عميقة في البناء الأوروبي الذي ظل متماسكاً لعقود. فبعد سنوات من السلام القائم على الازدهار والتعاون الاقتصادي، وجدت القارة العجوز نفسها فجأة في مواجهة واقع عسكري لم تكن مستعدة له، مما أدى إلى تحول جذري نحو "العسكرة" وإعادة إحياء سياسات التدمير الذاتي.
هستيريا سياسية وفزع ميتافيزيقي
تعيش النخب الأوروبية حالياً حالة من "الهستيريا" المتصاعدة تجاه روسيا، وهي حالة يفسرها الخبراء بأنها محاولة يائسة لإنقاذ إستراتيجية أثبتت فشلها. لم يعد الحديث في بروكسل وباريس وبرلين مقتصرًا على الدبلوماسية، بل انتقل إلى نبرة تنطوي على "فزع ميتافيزيقي".
- تصريحات صادمة: حذر الجنرال الفرنسي فابيان ماندون من ضرورة استعداد المجتمع لـ "فقدان أبنائه" في صراع مستقبلي.
- ادعاءات تاريخية: تتبنى شخصيات مثل كايا كالاس روايات تاريخية مشكوك في دقتها لحشد الرأي العام ضد موسكو.
- ذعر المسيرات: تجتاح القارة شائعات حول طائرات مسيرة مجهولة، تُستخدم لتعزيز مناخ الحرب دون تقديم أدلة ملموسة.
انكسار القيادة وفشل الرهان الأوكراني
فقدت ألمانيا، المحرك الاقتصادي والسياسي للاتحاد، قدرتها على كبح جماح التصعيد. وبدلاً من قيادة موقف متوازن داخل حلف الأطلسي، انساقت القارة خلف سياسات استنزاف روسيا، مما أدى إلى نتائج عكسية:
- طريق مسدود: تدرك التقييمات العسكرية الآن أن أوكرانيا دخلت نفقاً مظلماً لا يمكن الخروج منه بانتصار عسكري.
- انهيار السردية: تحول "الحصن الديمقراطي" المزعوم في أوكرانيا إلى نظام يعاني من الفساد الممنهج والانقسامات الداخلية.
- تبعية واشنطن: يكمن الكابوس الأوروبي في إبرام صفقة أمريكية-روسية تنهي الحرب بشروط موسكو، مما يهمش دور أوروبا تماماً.
تراجع النفوذ العالمي: أوروبا خارج المشهد
لا تقتصر أزمة مستقبل الاتحاد الأوروبي على الحدود الشرقية، بل تمتد إلى فقدان السيطرة في مناطق النفوذ التقليدية:
- أفريقيا: انهيار نظام "فرانس أفريك" وطرد القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لتحل محلها قوى مثل روسيا والصين.
- الشرق الأوسط: أصبحت أوروبا مجرد متفرج في ملفات كبرى مثل حرب غزة والتقارب السعودي الإيراني.
- أمريكا اللاتينية وآسيا: تجاوزت الصين الاتحاد الأوروبي كشريك تجاري رئيسي، بينما تمضي التحالفات الأمنية الكبرى (مثل أوكوس) دون إشراك بروكسل.
الانكماش السكاني: العائق الخفي
تواجه أوروبا عدواً داخلياً يتمثل في الانهيار الديموغرافي. فمع شيخوخة السكان وتقلص القوى العاملة، تصبح الدعوات لـ "التضحية الجماعية" وإعادة التسلح مجرد أوهام غير قابلة للتطبيق. ببساطة، لا تملك أوروبا "الأبناء" الذين تهدد بفقدانهم في ساحات المعارك.
الخاتمة: واقعية التجديد أم انحدار الإنكار؟
يقف الاتحاد الأوروبي اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما القبول بواقع العالم متعدد الأقطاب والتكيف معه من خلال "واقعية سياسية" جديدة، أو الاستمرار في حالة الإنكار والارتباط بالتقلبات الإستراتيجية الأمريكية. إن المسار الحالي يشير إلى أن أوروبا تختار الانحدار، مضحيةً بقاعدتها الاقتصادية ومركزيتها الجيوسياسية في سبيل وهم التفوق الأخلاقي الذي لم يعد العالم يعترف به.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً