معرض CES: من أجهزة VCR بـ 13 ألف دولار إلى ثورة الذكاء الاصطناعي.. كيف يُصاغ مستقبل التقنية؟

معرض CES: من أجهزة VCR بـ 13 ألف دولار إلى ثورة الذكاء الاصطناعي.. كيف يُصاغ مستقبل التقنية؟

البداية من شاشة عملاقة: سحر معرض CES

لا يمكنني نسيان أضخم تلفزيون رأيته في حياتي. ففي عمق مركز المؤتمرات في لاس فيغاس، اصطحبني ممثل العلاقات العامة لشركة سامسونج بهدوء، متجاوزاً العمال الذين كانوا يجهزون لحدث المساء. كانوا يستعدون لحدث Samsung’s First Look، وهو الكشف السنوي عن أكثر أجهزة الترفيه المنزلي طموحاً للعام القادم. كان المئات من الصحفيين والمطلعين على الصناعة سيحصلون قريباً على فرصة الدخول، لكنني كنت أحظى بمعاينة خاصة خلف الكواليس.

مررنا بجوار منصات قيد الإنشاء مخصصة لشاشات الكمبيوتر، وميزات التلفزيون الذكي، وشاشات غريبة مدمجة في أرفف كتب عصرية. تجاوزت تلفزيون Sero، الذي يمكنه تدوير شاشته إلى الوضع الرأسي. ثم، خلف المسرح نصف المكتمل، رأيته: “The Wall”، عظمة تقنية Micro-LED بحجم 292 بوصة، أكثر سطوعاً من أي شاشة سينما وأكبر بكثير من الواقع.

كان ذلك في معرض CES، أكبر حدث تقني في العالم، عام 2020. في كل عام، تعد سامسونج واحدة من أهم العارضين للإلكترونيات الاستهلاكية، وكنت أعلم أن تلفزيونها الضخم سيكون حديث الصناعة. وبينما كان يرتفع فوقي، شعرت أنني جزء من تاريخ التكنولوجيا.

CES: نبض الابتكار العالمي لأكثر من نصف قرن

لقد كنت أحضر معرض CES لمعظم حياتي البالغة، وبدأت رحلتي منذ عام 1999. في كل شهر يناير، أتوجه إلى فيغاس لأعمل بجهد لمدة أسبوع كامل، حيث أكتب المقالات وأصور الفيديوهات عن أروع الأدوات على كوكب الأرض. لا تزال التلفزيونات الضخمة واحدة من أكثر رموز CES شهرة، وقد نمت أهميتها منذ إدخال بث HDTV في عام 1998.

يقول غاري شابيرو، رئيس جمعية تكنولوجيا المستهلك (CTA): “كان تلفزيون HDTV أكبر حدث في حياتي بالنسبة للفيديو، بلا شك. لقد غير HDTV تجربة المشاهدة بشكل جذري”. لكن CES أكثر من مجرد تلفزيونات؛ فعلى مر السنين، كان المعرض هو المكان الذي حصلنا فيه على اللمحة الأولى لتقنيات نستخدمها يومياً، من منصات الألعاب والهواتف المتطورة إلى خدمات البث، وصولاً إلى الروبوتات البشرية والطائرات الكهربائية الشخصية.

من التلفزيونات الأنبوبية إلى ثورة الـ Plasma و LCD

بدأ أول معرض CES في مدينة نيويورك عام 1967، وكان يضم 117 عارضاً فقط، وهو رقم ضئيل بمعايير اليوم. وبالمقارنة، ضم معرض CES 2025 أكثر من 4500 عارض وجذب قرابة 142 ألف زائر. ومنذ بدايته، كانت التلفزيونات هي النجم الساطع. في الستينيات، شهد العالم اعتماد البث الملون، وفي معرض 1967، كانت أكثر التلفزيونات تطوراً هي تلك التي تستخدم الدوائر المتكاملة (integrated circuits)، وهي التقنية التي أصبحت لاحقاً جوهر كل هاتف ذكي وحاسوب محمول.

عبر العقود، تتبعنا تطور الشاشات؛ من تقنية Plasma التي وصلت في عام 1995، إلى سيطرة تقنية LCD التي أصبحت المهيمنة منذ عام 2014. واليوم، يغص معرض CES بشاشات مذهلة، مثل الشاشة القابلة للطي من C-Seed بحجم 132 بوصة وسعر 200 ألف دولار، وشاشات OLED المتعددة من LG.

أجهزة VCR: عندما امتلك المشاهد زمام الوقت

في عام 1970، كشفت شركة Philips عن جهاز N1500 VCR، وهو أول جهاز يسجل البرامج التلفزيونية على أشرطة كاسيت. بيع الجهاز في المملكة المتحدة عام 1972 مقابل 600 جنيه إسترليني، ما يعادل حوالي 13 ألف دولار اليوم. كان هذا الابتكار ثورياً لأنه سمح للمستهلكين بـ “إزاحة الوقت” (time shifting)، أي مشاهدة ما يريدون في الوقت الذي يختارونه، بدلاً من الالتزام بجدول البث الصارم.

شهد المعرض أيضاً صراع التنسيقات الشهير بين Betamax من سوني و VHS من JVC. ورغم أن Betamax كان يتفوق تقنياً، إلا أن VHS انتصر في النهاية بفضل سعة التسجيل الأطول، قبل أن يفسح المجال لاحقاً لتقنيات DVD و DVR، وصولاً إلى خدمات البث السحابي مثل YouTube TV و Sling TV التي نستخدمها اليوم.

منصات الألعاب: من Atari إلى هيمنة Xbox

في 4 يونيو 1977، انطلقت صناعة ألعاب الفيديو المنزلية مع منصة Atari 2600 الأيقونية في معرض CES. لم تكن الأولى، لكنها كانت الأولى التي حققت انتشاراً واسعاً. ومن المثير للاهتمام أن موظفي Atari شملوا ستيف جوبز وستيف وزنياك قبل تأسيسهما لشركة Apple.

توالت الابتكارات في CES، حيث كشفت نينتندو عن جهاز NES في عام 1985، والذي قدم سلاسل ألعاب أسطورية مثل Mario و Zelda. وفي عام 2001، شهد المعرض لحظة تاريخية عندما صعد بيل غيتس، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، مع المصارع “ذا روك” للكشف عن جهاز Xbox الأول، لتبدأ منافسة شرسة مع بلاي ستيشن من سوني مستمرة حتى يومنا هذا.

Apple وجهاز Newton: الابتكار الذي سبقه أوانه

رغم أن Apple تفضل حالياً إقامة فعالياتها الخاصة، إلا أنها شاركت في CES عام 1992 للكشف عن جهاز Newton MessagePad. وصفه الرئيس التنفيذي آنذاك، جون سكالي، بأنه ثورة، وكان يمثل فئة المساعد الرقمي الشخصي (PDA). ورغم فشله تجارياً بسبب ضعف تقنية التعرف على الكتابة اليدوية وسعره المرتفع، إلا أنه كان السلف الروحي لجهاز iPhone.

وفي عام 2009، خطف هاتف Palm Pre الأضواء في CES بنظام تشغيل WebOS المبتكر، مما أثبت أن المعرض يمكن أن يكون منصة لإطلاق هواتف تغير قواعد اللعبة، وليس فقط شاشات تلفزيون.

الخلاصة: هل لا يزال CES مهماً؟

بعد كل هذه السنوات من التغطية، تعلمت أن الأفكار التقنية البراقة قد تستغرق وقتاً أطول مما نتوقع لتصبح جزءاً من حياتنا اليومية. الطريق من “المفهوم الجامح” إلى “المنتج الأساسي في كل منزل” طويل وشاق، لكنه غالباً ما يبدأ من لاس فيغاس.

مع تحول الابتكار من العتاد المادي (Hardware) إلى البرمجيات والذكاء الاصطناعي، يطرح البعض سؤالاً: هل لا يزال CES مهماً؟ الإجابة تكمن في الـ 150 ألف شخص الذين يحضرون سنوياً؛ فالمعرض غارق في التاريخ، ومليء بالتقنيات الطموحة والغريبة. لذا، استعدوا، فالمستقبل يبدأ دائماً من هنا.

المصدر: CNET

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *