مشروع الإمارات والصهيونية: مخطط تفكيك الأمة وكشف المستور

# مشروع الإمارات و”إسرائيل الكبرى”: قراءة في أجندة التفكيك والتمكين للصهيونية

إن المتأمل في واقع أمتنا الإسلامية اليوم، يرى جراحاً نازفة في كل صقع، ويرى فتناً كقطع الليل المظلم تضرب أركان البيت العربي والإسلامي. ولم يكن هذا التردي وليد الصدفة، بل هو نتاج عمل دؤوب وتخطيط محكم تقوده قوى لا تريد لهذه الأمة قائمة. وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز تساؤل ملح حول الدور الذي تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة، فهل هو مشروع اقتصادي تنموي كما يروج إعلامها؟ أم أنه مخلب قط لتمكين مشروع “إسرائيل الكبرى” في المنطقة؟

الحقيقة الغائبة وراء قناع الاقتصاد

لم يكن التحرك الإماراتي في المنطقة يوماً عشوائياً، ولا كان منبتّاً عن الجذور الصهيونية التي تسعى لبسط نفوذها من النيل إلى الفرات وما وراء ذلك. في البداية، ظن البعض أن الأمر لا يعدو كونه طموحاً لدولة صغيرة تملك فوائض مالية، لكن سرعان ما استيقظ المحللون والعلماء على حقيقة مرة؛ وهي أن نشاط أبوظبي يمتد في دوائر جغرافية بعيدة جداً عن حدودها، مستهدفاً دولاً ذات ثقل استراتيجي وتاريخي في وجدان المسلمين.

إن ظاهر المشروع الإماراتي الذي سُوّق للعالم هو “النموذج الاقتصادي الناجح”، لكنه في الحقيقة اقتصاد يقتات على أنقاض الدول وفوضى الشعوب. إنه اقتصاد غير مشروع، تسنده فوهات البنادق وميليشيات متعددة الجنسيات لا تعرف ديناً ولا ذمة. لقد بدت الإمارات في سلوكها الخارجي كمن أصيب بشراهة عمياء لنهب ثروات الشعوب، من ذهب السودان إلى نفط ليبيا، وصولاً إلى كنوز اليمن الأثرية ومواقعه الاستراتيجية. ولكن، خلف هذا الجشع المالي، يكمن هدف أخطر، وهو التمهيد للكيان الصهيوني ليكون هو السيد المطاع في المنطقة.

استراتيجية الفوضى ودول الطوق الثانية

عندما ننظر إلى الخريطة بتمعن، نجد أن الفوضى لم تضرب إلا الدول التي تمثل عمقاً استراتيجياً لفلسطين المحتلة. لقد كانت الإمارات حاضرة بقوة في اليمن، والسودان، وليبيا، وهي دول تشكل ما يمكن تسميته بـ “الطبقة الثانية من دول الطوق”. إن إضعاف هذه الدول وتفكيك جيوشها وتحويلها إلى كانتونات متصارعة ليس إلا تأميناً طويل الأمد للكيان الصهيوني، وضماناً لعدم خروج أي قوة إسلامية حقيقية تهدد وجوده من هذه الجبهات.

لقد اندفعت أبوظبي لإبرام صفقات مشبوهة في القرن الأفريقي، وفي مصر، وحتى في تركيا عبر محاولات التأثير النقدي، وكان الهدف دائماً هو السيطرة على “المفاصل”: المطارات، الموانئ، ومكامن الثروة. إن السيطرة على الموانئ ليست مجرد تجارة، بل هي خنق للممرات المائية التي تمثل شريان الحياة للأمة، وتحويلها إلى أوراق ضغط بيد المشروع الصهيو-إماراتي.

حصار العمالقة: استهداف مصر والسعودية

أما في التعامل مع القوى الكبرى في المنطقة، مثل مصر والسعودية، فقد اعتمد المشروع الإماراتي سياسة “الاحتواء والتغيير”. ففي مصر الكنانة، سعت الإمارات إلى إلجام القرار السياسي المصري بثقل الديون الهائلة، والاندفاع نحو شراء الأصول الاستراتيجية والشركات الكبرى والأراضي الشاطئية. إن الهدف هنا واضح: مصادرة القرار السيادي تدريجياً، وضمان أن تظل مصر، بجيشها وشعبها، مقيدة بقيود اقتصادية تمنعها من ممارسة دورها الريادي في حماية قضايا الأمة.

وفي المملكة العربية السعودية، كانت الآلية مختلفة ولكن الهدف واحد. لقد جرى العمل على اختراق ممنهج للمجتمع السعودي بهدف تغيير هويته الإسلامية الراسخة، وتجنيد أبواق إعلامية ومثقفين مأجورين لحرف السياسة السعودية نحو مسارات تخدم الأجندة الصهيونية تحت مسميات “التحديث” و”الانفتاح”. ومع ذلك، بدأت تظهر في الآونة الأخيرة بوادر يقظة، حيث سعت الرياض لقطع بعض الأيدي الإماراتية التي عبثت في اليمن والسودان، مما يشير إلى تصادم المصالح حينما يتعلق الأمر بالأمن القومي المباشر.

أدوات الهدم: الميليشيات والمرتزقة

إن أخطر ما في المشروع الإماراتي هو اعتماده على “خصخصة الحروب”. لقد بدأت القصة باستقدام آلاف المرتزقة من كولومبيا وغيرها لحماية النظام في الداخل، ثم تحول هؤلاء إلى أداة لتخريب الخارج. ونحن نرى اليوم ثمار هذا الغرس الخبيث في نماذج يدمى لها القلب:

1. قوات الدعم السريع في السودان: التي عاثت في الأرض فساداً، وقتلت وشردت المسلمين، ودمرت بنية الدولة التحتية.
2. قوات حفتر في ليبيا: التي عرقلت بناء دولة ليبية موحدة قوية.
3. المجلس الانتقالي في اليمن: الذي يسعى لتمزيق وحدة اليمن والسيطرة على سواحله وجزره الاستراتيجية (مثل سقطرى) لخدمة المطامع الصهيونية.
4. النبتات الخبيثة في الشام وغزة: عبر دعم شخصيات ومجموعات مشبوهة (مثل مجموعة العرجاني في سيناء أو مجموعات الأسطل وغيرها) لضرب النسيج الوطني والمقاوم.

حرب الهوية والدين: من الإسلام إلى “الإبراهيمية”

لم يكتفِ المشروع الإماراتي بالهدم العسكري والاقتصادي، بل انتقل إلى الهدم العقدي، وهو الأخطر. لقد تبنت الإمارات مراكز التشكيك في الدين، ودعمت موجات الإلحاد تحت لافتة “التسامح”. ولعل أخطر ما أنتجته هذه الحقبة هو ما يسمى بـ “الدين الإبراهيمية”، وهو محاولة خبيثة لتمييع الفوارق العقائدية بين الإسلام والكفر، ودمج الكيان الصهيوني في نسيج المنطقة كـ “ابن عم” شرعي، متناسين جرائمه في القدس والأقصى.

كما عمدت أبوظبي إلى دعم حركات دينية “مدجنة”، مثل بعض غلاة المداخلة وبعض الطرق الصوفية المنحرفة، لإحلال إسلام طقوسي بارد محل الإسلام الحيوي الذي يقاوم الظلم ويسعى لعزة الأمة. إن ملاحقة الدعوة الإسلامية في أوروبا والتضييق على المسلمين هناك عبر لوبيات التحريض ليس إلا جزءاً من هذه المهمة القذرة.

التمكين المباشر للعدو الصهيوني

وفي الختام، لم يعد الأمر خافياً على أحد، فالدعم الإماراتي للكيان الصهيوني أصبح مباشراً وعلنياً. من تزويد الكيان بالسلع الضرورية عبر جسور برية أثناء الحروب، إلى الوقوف معه في المحافل الدولية ضد حقوق الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى الاعتراف بكيانات انفصالية تخدم الأجندة الصهيونية (مثل أرض الصومال).

إننا أمام مشروع يسعى لهدم عرى الوحدة والإخاء الإسلامي، وتفكيك الدول الكبيرة إلى دويلات هزيلة، لتمهيد الطريق أمام “إسرائيل” لتنفيذ فصولها الأخيرة في السيطرة على المنطقة. إن الواجب على علماء الأمة ومثقفيها وشبابها أن يدركوا حجم المؤامرة، وأن يعلموا أن الدفاع عن هوية الأمة ومقدراتها هو جهاد في سبيل الله، وأن الوعي هو السلاح الأول في معركة البقاء.

اللهم احفظ أمتنا من كيد الكائدين، ورد كيد الخائنين في نحورهم، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *