مقدمة: أشواق الروح إلى باريها
الحمد لله الذي جعل في قلوب العارفين منارةً تهتدي بها، والصلاة والسلام على من بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، نبينا محمد الذي كان إحسانه في العبادة غاية، وفي المعاملة آية. إن رحلة الإنسان في هذه الحياة ليست مجرد عبور زمن، بل هي ارتقاء في مدارج العبودية، حيث تبدأ بالاستسلام (الإسلام)، ثم التصديق (الإيمان)، لتصل إلى ذروة السنام وغاية المراد، وهو مقام الإحسان. هذا المقام الذي لا يُنال بالتمني، بل بالمجاهدة الروحية والصفاء القلبي الذي يجعل العبد يرى بنور الله ما لا يراه الآخرون.
ماهية الإحسان في ميزان الشريعة
الإحسان في لغة الشرع ليس مجرد عمل صالح عابر، بل هو إتقان الباطن والظاهر. حين سأل جبريل عليه السلام نبينا الكريم عن الإحسان، أجاب بجملة هي مجمع الفضائل وقوام السلوك: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (رواه مسلم). هذا الحديث العظيم يضعنا أمام ركنين أساسيين: مقام المشاهدة ومقام المراقبة. فالمشاهدة هي أن يمتلئ القلب بجلال الله حتى كأن الحجب قد ارتفعت، والمراقبة هي اليقين الجازم بأن عين الله ترعاك في حركاتك وسكناتك.
لقد قرن الله عز وجل الإحسان بمعيته الخاصة، فقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128]. وهذه المعية ليست مجرد إحاطة علم، بل هي معية نصرة وتأييد وتوفيق ومحبة، تجعل من حياة المؤمن واحة من السكينة وسط ضجيج الحياة المادية المعاصرة.
تجليات الإحسان في العبادات: من الأداء إلى الحضور
كثيرون هم الذين يؤدون الحركات الظاهرة للعبادات، لكن قليلين هم من يتذوقون حلاوتها. الإحسان في العبادة هو نقل الصلاة، على سبيل المثال، من كونها واجباً يُسقط إلى كونها “قرة عين”. يقول الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: 45]. الخشوع هنا هو ثمرة الإحسان، حيث يقف العبد بين يدي ملك الملوك وهو يستشعر عظمته، فلا يلتفت بقلبه إلى سوى مولاه.
- إحسان الصيام: ليس فقط بترك الطعام والشراب، بل بصوم الجوارح عن اللغو والرفث، واستشعار أنك في خلوة مقدسة مع الله.
- إحسان الزكاة: أن تخرجها بطيب نفس، لا تتبعها مناً ولا أذى، وتراها فضلاً من الله عليك أن استعملك في سد حاجة عباده.
- إحسان الذكر: أن يواطئ القلب اللسان، فلا يكون الذكر كلمات جوفاء، بل أنواراً تمحو ظلمة الغفلة.
الإحسان في التعامل مع الخلق: فقه الجمال السلوكي
إن من أخطاء الفهم قصر الإحسان على السجادة والمحراب، بينما الإسلام يمد ظلال الإحسان لتشمل كل علاقة إنسانية. يقول الله عز وجل: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83]. لم يقل للمسلمين فقط، بل للناس كافة. إن المحسن هو من يبذل الندى، ويكف الأذى، ويتحمل جفاء الخلق طلباً لرضا الخالق.
لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الإحسان حتى مع من آذاه. ومن هنا تبرز مدرسة التربية الإسلامية التي تقوم على مبدأ: «صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك». هذا هو الإحسان الذي يقلب العداوة إلى ولاء وحب، كما قال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [فصلت: 34].
الإحسان في العمل والإتقان: رسالة المسلم المعاصر
في ظل عالم يموج بالتنافسية، يبرز مفهوم الإحسان كمنهج حياة عملي. إن إتقان العمل ليس خياراً بل هو عبادة. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (رواه الطبراني). المسلم المحسن هو الذي يرى في مهنته، سواء كان طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو عاملاً، باباً للجنة. هو لا يغش ولا يخون ولا يتقاعس، ليس خوفاً من رقابة المدير أو الكاميرات، بل لأنه يستحضر مراقبة الله عز وجل.
هذا النوع من الإحسان هو ما يحتاجه المجتمع المسلم اليوم لينهض من كبوته؛ إحسان في التخطيط، إحسان في التنفيذ، وإحسان في النتائج. إن الأمة التي ترفع شعار الإحسان في شؤونها كلها هي أمة محكوم لها بالريادة والشهود على الناس.
ثمار الإحسان: جنة الدنيا قبل جنة الآخرة
إن للمحسن ثمرات يجدها في قلبه وفي حياته قبل أن يلقى ربه، ومنها:
- محبة الله: وهي أعظم جائزة، (وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195]. ومن أحبه الله، وضع له القبول في الأرض وسخر له القلوب.
- انشراح الصدر: المحسن دائماً في حالة تصالح مع نفسه ومع الكون، لأن طاقة الإحسان تطرد سموم الحقد والقلق.
- الحكمة والبصيرة: يرزق الله المحسن نوراً يفرق به بين الحق والباطل، (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [القصص: 14].
- الجزاء الأوفى في الآخرة: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60].
كيف نصل إلى مرتبة الإحسان؟
الوصول إلى هذا المقام الرفيع يتطلب خارطة طريق واضحة المعالم:
أولاً: العلم بالله: لا يمكن أن تحسن في عبادة من لا تعرفه. فتعلم أسماء الله وصفاته يورث في القلب الهيبة والمحبة.
ثانياً: دوام الذكر: الذكر هو الحبل الموصل، فمن أدمن ذكر الله استحضر وجوده في كل حين.
ثالثاً: محاسبة النفس: أن يقف العبد مع نفسه وقفة صدق في نهاية كل يوم: هل كنت محسناً في قولي؟ هل كنت مخلصاً في عملي؟
رابعاً: صحبة المحسنين: فالطبع يسرق من الطبع، ومجالسة أهل الإحسان تعدي بالخير وترفع الهمة.
خاتمة: دعوة للارتقاء
إن مقام الإحسان ليس رتبة محصورة في الزهاد والعباد فحسب، بل هو فضاء مفتوح لكل مؤمن يطمح أن يكون لقلبه حياة. إننا في هذا العصر المادي المزدحم بالفتن، أحوج ما نكون إلى استعادة روح الإحسان لترميم انكسارات نفوسنا وتصحيح مسار سلوكنا. فليكن شعارنا في كل حركة وسكنة: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف: 56].
اللهم اجعلنا ممن يعبدك كأنه يراك، وحبب إلينا الإحسان في القول والعمل، وزين قلوبنا بنور المراقبة، واجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً