مقدمة: حين يطرق الشتاء أبواب القلوب
مع انكسار حدة الحرارة وتسلل النسمات الباردة، يستقبل المسلم فصلاً ليس كبقية الفصول؛ إنه ربيع المؤمن وغنيمته الباردة. الشتاء في المنظور الإسلامي ليس مجرد تقلبات جوية أو انخفاض في درجات الحرارة، بل هو مدرسة إيمانية تتجلى فيها معاني الصبر، ويتسع فيها وقت المناجاة، وتتنزل فيها بركات السماء. إن فقه أحكام الشتاء هو البوابة التي يعبر من خلالها المؤمن ليجمع بين أداء العبادة على وجهها الصحيح وبين الاستمتاع بنفحات هذا الفصل العظيم دون مشقة أو عناء.
عبَّاد الشتاء: من هم وما سر فرحهم؟
يتساءل الكثيرون: مَنْ هم عُبَّادُ الشتاء؟ إنهم تلك الثلة من عباد الله الأتقياء الذين يرقبون هلال الشتاء بلهفة تفوق وصف الواصفين، يفرحون بقدومه كما يفرح الصائم بقدوم رمضان. والسر في ذلك يكمن في استثمارهم لخصائص هذا الفصل؛ فليل الشتاء بطوله يمنحهم فرصة ذهبية للقيام والتهجد دون أن يغلبهم النوم، ونهاره بقصره وبرودته يغدوا مضماراً سهلاً للصيام.
لقد عبر السلف الصالح عن هذا الوجدان بعمق؛ فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول مستقبلاً الشتاء: “مرحبًا بالشتاء، تنزل فيه البركة، ويطول الليل للقيام، ويقصر النهار للصيام”. ولم يكن هذا الفرح مجرد كلمات، بل كان شعوراً يتغلغل في الوجدان حتى في اللحظات الأخيرة من العمر؛ فحينما حضرت الوفاة معاذ بن جبل رضي الله عنه، لم يبكِ على دنيا يصيبها أو جاه يتركه، بل بكى بحرقة وقال: “إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب على حِلَق الذِّكْر”.
هنيئاً لتلك النفوس التي تقاوم جاذبية الفراش الوثير في ليالي الشتاء القارسة، وتصبر على ملامسة الماء البارد في جوف الليل، مستنهضة هممها رغبةً فيما عند الله. إنهم الذين وصفهم الله في كتابه الكريم بقوله: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17، 18].
الصيام في الشتاء: الغنيمة الباردة
في الشتاء، تفتح أبواب الطاعات بأقل مجهود بدني؛ فالصيام في هذا الفصل هو “الغنيمة الباردة” كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي: «الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة». ومعنى الغنيمة الباردة أي التي حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقة؛ فاليوم قصير، والجو لطيف، فلا يشعر الصائم بمرارة العطش ولا بجهد الجوع، مما يجعل الشتاء فرصة لا تعوض لقضاء ما فات من صيام أو للاستكثار من النوافل.
وقاية الأبدان وتراحم الإخوان
إن الشريعة الإسلامية شريعة واقعية توازن بين مصلحة الروح والبدن. وفي فصل الشتاء، حيث تشتد البرودة ويجف الهواء وتكثر الأمراض، يستحسن بالإنسان أن يستعد لمقاومة هذه الظروف باللباس المناسب. إن وقاية النفس والأطفال بالملابس الشتوية التي تخفف برودة الجو هي من باب الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.
لكن المؤمن لا يعيش لنفسه فقط؛ فبينما نرفل نحن في الدفء والأغطية، يجب أن نتذكر أن هناك إخوة لنا، كباراً وصغاراً، يعانون من زمهرير البرد ولا يجدون ما يلتحفون به. إن تفقد المحتاجين ومد يد العون لهم بما فضل عنا من ملابس وأغطية هو تجسيد حقيقي لمعنى الأخوة الإيمانية، ولعل الله أن يرحمنا برحمتنا لهؤلاء الضعفاء.
فقه الشتاء: سماحة الشريعة ورفع الحرج
من أعظم سمات شريعتنا الغراء أنها شريعة اليسر، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «بُعثت بالحنيفية السمحة»، وقوله في صحيح البخاري: «فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين».
ومن هذا المنطلق، وضع الفقهاء أحكاماً خاصة تناسب حال المسلم في الشتاء لضمان استمرار صلته بربه دون مشقة تخرجه عن حد الاعتدال. ومع ذلك، يبقى لأداء العبادة في ظروف المشقة فضل عظيم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلُّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات»؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» [رواه مسلم]. فإذا كان للمشي إلى المساجد في الظلم نور تام يوم القيامة، فكيف بمن يجمع بين الظلمة والبرد؟ لا شك أن الأجر أعظم والمكانة أرفع.
أحكام الطهارة في البرد القارس
أولاً: التيمم عند العجز عن استعمال الماء
شرع الله التيمم كبديل للطهارة المائية عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6].
متى يباح التيمم في البرد؟
1. فقدان وسيلة التسخين: لا يجوز التيمم لمجرد البرد إذا كان بمقدور الإنسان تسخين الماء. أما إذا وجد الماء وكان شديد البرودة، ولم يجد وسيلة لتسخينه، وخاف على نفسه الضرر أو الهلاك باستعماله، فهنا يباح له التيمم.
2. خوف الضرر المحقق: استدل العلماء بحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه حين احتلم في ليلة باردة في غزوة “ذات السلاسل”، فأشفق إن اغتسل أن يهلك، فتيمم وصلى بأصحابه، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
3. القدرة الجزئية: ذكر ابن رسلان أنه إذا أمكن غسل بعض الأعضاء وسترها وتدفئتها تدريجياً لزم ذلك، وإن لم يقدر تيمم.
صفة التيمم:
التيمم طهارة حكمية، والمقصود منها الامتثال لا التلوث بالتراب؛ لذا هي ضربة واحدة على الصعيد الطيب (الأرض وما صعد عليها)، ثم مسح الوجه والكفين مرة واحدة.
ثانياً: المسح على الخفين والجوارب
من أبهى صور التيسير في الشتاء جواز المسح على الخفاف والجوارب (الشرابات) بدل غسل القدمين. وقد تواتر هذا الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال الحسن البصري: “حدَّثني سبعون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين”.
شروط المسح على الخفين:
- الطهارة: أن يلبسهما بعد وضوء كامل غسل فيه رجليه.
- الستر: أن يكون الجورب ساتراً لمحل الفرض (أي يغطي الكعبين).
- الطهارة العينية: أن يكون الجورب طاهراً في نفسه.
- نوع الحدث: المسح يكون في الحدث الأصغر فقط؛ أما الجنابة (الحدث الأكبر) فتوجب نزعهما لغسل القدمين.
مدة المسح:
للمقيم يوم وليلة (24 ساعة)، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن (72 ساعة)، وتبدأ المدة من أول مسحة بعد الحدث.
حكم التخلف عن صلاة الجماعة بسبب البرد
صلاة الجماعة واجبة على الرجال القادرين، ولكن الشريعة التي أمرت بالجماعة هي ذاتها التي رخصت في تركها عند وجود العذر. فإذا كان البرد شديداً جداً بحيث يخشى الإنسان على نفسه المرض، ولا يمكنه اتقاء البرد بالملابس أو السيارات، فله أن يصلي في بيته.
وقد ثبت في الصحيحين عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما أذن في ليلة باردة بضجنان ثم قال: “صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ”، وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن بذلك في الليلة الباردة أو المطيرة.
ضوابط الرخصة:
1. أن يكون البرد خارجاً عن المعتاد ويسبب مشقة غير محتملة أو مرضاً.
2. قال الإمام النووي: “البرد الشديد عذر في الليل والنهار”.
3. إذا كان البرد يمكن اتقاؤه بالوسائل المتاحة دون مشقة ظاهرة، يبقى وجوب الجماعة قائماً.
خاتمة: الشتاء فرصة للتغيير
إن الشتاء ليس مجرد فصل عابر، بل هو محطة لتجديد الإيمان وتدريب النفس على الطاعة في كل الظروف. فبين يسر الأحكام وعظمة الأجر، يجد المسلم نفسه أمام فرصة للتزود من التقوى. فلنغتنم قصر نهاره بالصيام، وطول ليله بالقيام، ولنجعل من برودته دافعاً لتدفئة قلوبنا بذكره وشكره، ولنكن ممن يرى في كل تقلب كوني آية تدعوه للإنابة والامتثال.

اترك تعليقاً