طريق الهجرة النبوية: أسرار المشقة وأنوار التمكين في رحلة المصطفى

# رواء المدينة المنورة: الهجرة بعين الذوق لا بقلم السرد (الحلقة العاشرة)

مقدمة: حين يقرأ القلب قبل العين

في رحاب السيرة النبوية العطرة، وفي ثنايا المصنفات التي سطرت فقه السيرة، يجد القارئ نفسه أحياناً أمام سرد تاريخي يسرد الأحداث بأسلوب جاف، يمر فيه على واقعة “الهجرة النبوية” من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مرور الكرام. وكأن هذا الحدث الجلل، الذي غير وجه التاريخ الإنساني، لم يكن سوى سحابة صيف عابرة، حلت في وقت الأصيل ثم استأذنت بالرحيل بعد ردهة خاطفة.

إن القراءة السطحية توهم القارئ بأن الطريق بين مكة وطيبة لم يكن أكثر من خط مرسوم على الورق، خالٍ من الوعثاء، عارٍ من الوحشة، وبريء من التعب الذي يثقل القلب قبل أن ينهك القدم. وهذا الانطباع، رغم كونه عفوياً، يكاد يسيطر على ذهن المتلقي مهما بلغ الكُتّاب في تصويرهم البديع وحبكهم الضليع لسيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الهجرة بعين الذوق: تجاوز النظرة الساذجة

بيد أن هذه النظرة الساذجة لا يمكنها الصمود طويلاً أمام “معايشة الذوق”. فحين ينتقل المسلم من مرحلة القراءة المجردة إلى مرحلة التأمل الوجداني، تتلاشى تلك الصورة النمطية تدريجياً. تتحول الرؤية على طاولة التأمل إلى مزيج مدهش يجمع بين الاستغراب والإعجاب، بين الإكبار والافتخار، وبين الحبور والاستبشار.

هنا، تبدأ الأسئلة في الهجوم على العقل والروح؛ هجوم مسترسل كالسيل العرم، لا ينقطع مداده. أمعقول أن يتحمل بشر قطع هذه المسافة الضاربة في الطول، الموغلة في الوحشة، القاسية في تضاريسها؟ كيف لجسد بشري أن يطوي تلك الفيافي والقفار في ظل مطاردة المشركين وحرارة الصحراء اللاهبة؟

جغرافيا الوجع: تضاريس لا تعرف اللين

عندما نتأمل مسار الهجرة، نجد أنفسنا أمام تلال وسلاسل جبال فاقعة السواد، سبخة جرداء، لا كلأ فيها ولا عشب ولا نبات. إنها أرض تتحدث بلغة الصخر والصلابة. كيف لـ “ثاني اثنين” أن يبذلا كل هذا الجهد المضني؟

نحن اليوم، ومع كل ما سخر الله لنا من وسائل المواصلات الحديثة، لا نكاد نقوى على قطع تلك المسافة. نركب الحافلات التي اجتمعت فيها جل وسائل الراحة: مكيفات تلطف الجو، كراسٍ وثيرة تريح الأجساد، ومحركات قوية تختصر الزمان والمكان. ومع ذلك، نصل متعبين! فكيف بمن قطعها سيراً على الأقدام أو على ظهور الرواحل، يترقب العدو من خلفه ويواجه المجهول أمامه؟

لقد لازمني هذا السؤال ورافقني هذا الشعور بعمق وأنا أترصد ذلك الطريق الوعر طيلة رحلتي من المدينة النبوية إلى مكة المكرمة، في اتجاه معكوس لمسار الهجرة النبوية. كنت أتنقل بإحساسي وشعوري المنبهر، من بقايا ضوء النهار إلى عتمة الليل وغاسقها الواقب، متصوراً سير الحبيب صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه في حضن تلك الرواسي الشاهقات والأوتاد الباسقات.

الحكمة الإلهية: لماذا لم يركب النبي البراق؟

وهنا وقفت وقفة إجلال، وأدركت أن الوصف مهما طال، ومهما برع الكاتب في استهلاله، فسيبقى عاجزاً تماماً عن حمل ثقل التجربة الحقيقية.

يا سبحان الله! لقد كان في القدرة الإلهية المطلقة أن يُهيأ للمرسل رحمة للعالمين دابة من عالم الغيب، “براقاً” آخر كما كان الشأن في رحلة الإسراء والمعراج، ليقطع المسافة في طرفة عين. ولكن حكمة الله البالغة اقتضت أن يكون السير إلى بؤرة العقد التأسيسي لدولة المدينة، وبداية نسج عروة التمكين، سيراً محفوفاً بالكلفة، والمشقة، والمضض.

لماذا؟ لأن القاعدة الربانية في هذا الكون تقول:
> “النعيم.. لا يُنال بالنعيم”

فالتمكين في الأرض ليس هبة مجانية تُعطى للمترفين، بل هو ثمرة جهاد وصبر. وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله: “لا تمكين إلا ببلاء”. وقبله وبعده، قال ربنا جل جلاله في محكم تنزيله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: 69).

الهجرة: امتحان الصدق لا انتقال الجغرافيا

لقد تعلمت من تأملي في طريق الهجرة أن هذا الحدث لم يكن مجرد انتقال في الجغرافيا من نقطة (أ) إلى نقطة (ب). بل كانت الهجرة في حقيقتها:
1. امتحاناً للصدق: هل القصد هو الله ورسوله حقاً؟
2. اختباراً للقصد: هل نحن مستعدون للتضحية بكل شيء من أجل المبدأ؟
3. وعداً بالتمكين: الذي لا يأتي إلا بعد سكب العرق والدموع على رمال الطريق.

إن طريق الهجرة لم يكن سبيلاً سهلاً هين المناكب، بل كان طريقاً وعراً طويلاً. وإنما أراد الله ذلك لأن الرسالة المحمدية لم تكن في حاجة إلى أتباع مدللين يبحثون عن الراحة، بل كانت تبغي رجالاً وأعلاماً، صهرتهم الشدائد فصاروا كالفولاذ.

أقدام تقرحت لتبني أمة

إن الأقدام الشريفة التي تتقرحت في سيرها وانتقالها المضني، هي ذاتها التي سوف تقيم فيما بعد دولة قائمة على العدل المطلق. وهي ذاتها التي ستبني أصول الأمة على اليقين الراسخ. تلك الأمة الموصولة بالله، المحفوظة بحفظ كتابها، ودوام دستورها، واستمرار منهجها قائماً إلى آخر نفس في هذه الحياة الدنيا.

لقد كان الوجع في الطريق هو الثمن الضروري لبهجة الوصول، وكانت المشقة في الرحلة هي الوقود لبناء الحضارة. إن الذين ذاقوا وعثاء السفر في سبيل الله، هم الأقدر على حماية مكتسبات هذا الدين وصيانة أمانته.

خاتمة: وعي السر قبل بهجة الوصول

في ختام هذه الوقفة التأملية، لا يسعنا إلا أن نرفع أكف الضراعة والامتنان. فجزى الله رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمة خير الجزاء، وجزاه على ما قدم من تضحيات جسام، وجهود عظام، وصبر منقطع النظير.

اللهم اجعلنا، واجعل المسلمين كافة، من الواعين بسر الطريق قبل بهجة الوصول. اللهم ارزقنا صدق الهجرة إليك بالقلوب، كما رزقت الصحابة صدق الهجرة بالأبدان. واجعلنا ممن يستلهمون من سيرة نبيك القوة على مواجهة مصاعب الحياة باليقين والعمل.

آمين يا رب العالمين..

*يتبع في الحلقة القادمة…*

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *