# المتعيشون بالدين: حين يصبح الإيمان وسيلة للمصالح الدنيوية
إن أعظم ما يبتلى به المرء في دينه، وأشد ما يقع على النفس من مرارة، هو رؤية ذلك الصنف من البشر الذي جعل من دين الله بضاعة يُتاجر بها، ومن محراب العبادة حانوتًا للمكاسب. إن قضية “التعيش بالدين” ليست مجرد سلوك عابر، بل هي جريمة مركبة تمسّ الجانب الديني والأخلاقي في آن واحد، وهي انحراف بليغ عن الجادة التي رسمها الأنبياء والصالحون.
التشريح النفسي لشخصية المتعيش بالدين
عندما نغوص في أعماق التحليل النفسي لهذه الشخصية، نجد كائنًا مهووسًا بالصورة الذهنية التي يتركها عند الآخرين. إنه إنسان محكوم بـ “إدمان الاعتراف”؛ لا يشعر بقيمته إلا من خلال نظرات الإعجاب في عيون الناس، ولا يستمد وقوده النفسي إلا من تصفيق الجماهير وثنائهم.
بالنسبة لهذا الصنف، القيمة لا تكمن في “وزن الصدق” بينه وبين ربه، بل في “عدد الشهود” الذين يراقبون نسكه. إن الصدق عنده عملة معطلة، بينما الظهور هو العملة الرائجة التي يسعى لجمع أكبر قدر منها. هذا الهوس بالصورة يجعل التدين عنده مجرد قشرة خارجية، لا تمتد جذورها إلى شغاف القلب.
الدين كديكور للسلطة والوجاهة
في عالم المتعيش بدينه، تنقلب الموازين وتتحول المقاصد. يصبح الدين عنده مجرد “ديكور” يزين به أروقة سلطته الشخصية، وتتحول العبادة من صلة بالخالق إلى “بروتوكول” لتعزيز النفوذ الاجتماعي. حتى الفتوى -التي هي توقيع عن رب العالمين- تتحول في يده إلى خطاب علاقات عامة، تُصاغ بعناية فائقة بميزان المصلحة الشخصية لا بميزان الحق الصرف.
هذا النموذج من البشر عابر للأديان والثقافات؛ فهو ليس حكرًا على ملة دون غيرها، بل يتكرر عند المسلمين واليهود والنصارى على حد سواء. يحدث ذلك حين يتحول التدين إلى “برستيج” اجتماعي، يمنح صاحبه حصانة أخلاقية زائفة، ويفتح له ممرات النفوذ المغلقة، ويُسكت الألسنة الناقدة باسم الغيرة على المقدسات. إنهم يتخذون من الدين جنّة (وقاية) لمآربهم الخاصة.
البحث عن الامتيازات لا عن الله
إن هذا النمط من التدين لا يبحث في الحقيقة عن الله، بل يبحث عن الامتيازات التي تُمنح باسمه. إنه يطمح إلى:
- الوجاهة المعنوية: أن يُشار إليه بالبنان كقدوة ورمز.
- الحصانة من النقد: أن يُحيط نفسه بهالة من القداسة تمنع أحداً من مراجعته.
- السلطة الرمزية: القدرة على توجيه الناس والتأثير فيهم باسم الإيمان.
- الرصيد الاجتماعي: بناء شبكة علاقات قوية يُستثمر فيها الانتماء الديني كبطاقة عبور للمكاسب المادية.
لذلك، نجد هذا الشخص يبالغ في هندسة صورته، ويجعل من طقوسه لافتة دعائية، ومن خطابه واجهة براقة، ومن انتمائه الديني وسيلة للترقي والوصول.
القلق الدائم والوقوف على أرض رخوة
في العمق النفسي، يعيش هذا الإنسان حالة من القلق الوجودي الدائم. إنه يقف على أرض رخوة للغاية؛ لأنه يدرك في قرارة نفسه حجم الفجوة الهائلة بين ما يُظهره للناس وما يحمله في باطنه. هذا الخوف من الانكشاف يدفعه إلى ممارسة “الهروب إلى الأمام”، فيضاعف من مظاهر الزينة الدينية، ويكثر من الإشارات اللفظية الإيمانية، ويستثمر في اللغة الروحانية بشكل مفرط فقط ليثبت موقعه ويداري عورته النفسية.
طريق المخلصين: التدين لله لا للناس
وعلى النقيض من ذلك، نجد المتدين لله حقًا. هذا الصنف يسلك طريقًا مغايرًا تمامًا؛ فهو يضع بينه وبين هذه الامتيازات الدنيوية مفاوز شاسعة وصحاري قاحلة. إنه لا يقترب من مواطن الشبهة، ولا يسمح لعبادته أن تتحول أبدًا إلى وسيلة للمكسب أو التجارة.
المتدين الصادق لا يقايض صدقه بشيء من حطام الدنيا، لأن قلبه قد أدرك الحقيقة الكبرى: أن الدين رسالة حَمْل ومسؤولية، لا مائدة أكل ومنفعة. إنه يعلم يقينًا أن أعظم الخسارة هي أن يربح المرء موقعًا اجتماعيًا مرموقًا في أعين الخلق، بينما يخسر وزنه وقيمته عند الخالق سبحانه.
التحذير الرباني من إرادة الدنيا بالعمل الصالح
لقد وضع القرآن الكريم ميزانًا دقيقًا لهذه القضية، وحذر أشد التحذير من صرف الأعمال الصالحة لغير وجه الله. تأمل هذه الآية المركزية التي تقصم ظهور المرائين:
{مَن كانَ يُريدُ الحَياةَ الدُّنيا وَزينَتَها نُوَفِّ إِلَيهِم أَعمالَهُم فيها وَهُم فيها لا يُبخَسونَ أُولئِكَ الَّذينَ لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إِلَّا النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعوا فيها وَباطِلٌ ما كانوا يَعمَلونَ} [هود: ١٥–١٦].
إنها معادلة إلهية واضحة؛ من جعل همه الدنيا، قد يعطيه الله منها ما يشاء، ولكن رصيده في الآخرة سيكون صفرًا مخيفًا.
وقد أفاض السلف في شرح هذا المعنى، حيث قال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: “إن أهل الرياء يُعطَون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يُظلَمون نقيرًا، يقول: من عمل صالحًا التمس الدنيا صومًا أو صلاةً أو تهجّدًا بالليل، لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله تعالى: أُوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، ويحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين”.
الخاتمة: مراجعة النوايا
إن التعيش بالدين هو المنزلق الذي يجب أن يحذر منه كل من تصدر للدعوة أو أظهر الصلاح. إنها دعوة لكل واحد منا أن يفتش في زوايا قلبه: هل عملنا هذا لله أم لثناء الناس؟ هل نطلب بصلاتنا وصيامنا وقولنا وجه الله، أم نطلب بها جاهاً ومنصباً ومالاً؟
إن الوقوف بين يدي الله غدًا لن ينفع فيه “البرستيج” ولا الحصانة الاجتماعية، بل لن ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، مخلص لله في سره وعلنه، بعيدًا عن شوائب الرياء وأدران التعيش بالدين.
__________________________
المصدر: مستوحى من مقال للكاتب: علي آل حوّاء.
المراجع: تفسير ابن كثير – ط أولاد الشيخ ٧/٤٢٢.

اترك تعليقاً