تحطيم قواعد الكيمياء التقليدية: الكشف عن جزيئات “مستحيلة” تعيد صياغة مفهوم الروابط العضوية

تحطيم قواعد الكيمياء التقليدية: الكشف عن جزيئات “مستحيلة” تعيد صياغة مفهوم الروابط العضوية

مقدمة: عندما تتهاوى المسلمات العلمية

لطالما اعتمدت الكيمياء العضوية على مجموعة من القواعد الراسخة التي تصف كيفية اتصال الذرات، وتشكل الروابط الكيميائية، واتخاذ الجزيئات لأشكالها النهائية. ظلت هذه المبادئ، لعقود طويلة، بمثابة بوصلة للعلماء لفهم التفاعلات والتنبؤ بسلوك الجزيئات. ومع ذلك، أثبت فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس (UCLA)، أن ما كنا نعتبره حقائق ثابتة في كتب الكيمياء ليس سوى خطوط إرشادية مرنة.

في عام 2024، نجح البروفيسور نيل جارج وفريقه في كسر “قاعدة بريت” (Bredt’s rule)، وهي قاعدة كيميائية صمدت لأكثر من مائة عام، وتنص على عدم إمكانية تكوين رابطة كربون-كربون مزدوجة عند موضع “رأس الجسر” في الجزيئات ثنائية الحلقة. واليوم، يتجاوز الفريق هذا الإنجاز بتطوير طرق لتخليق جزيئات أكثر غرابة تُعرف باسم “الكوبين” (Cubene) و”الكوادريسيكلين” (Quadricyclene)، وهي هياكل تشبه الأقفاص تحتوي على روابط مزدوجة فريدة من نوعها.

المنهجية العلمية: تخليق الجزيئات الملتوية

في الظروف المعتادة، تتخذ الذرات المتصلة برابطة مزدوجة ترتيباً مسطحاً (Planar). لكن نتائج الفريق، التي نُشرت في دورية Nature Chemistry، أظهرت أن جزيئات الكوبين والكوادريسيكلين تجبر الروابط المزدوجة على اتخاذ أشكال ثلاثية الأبعاد مشوهة للغاية. لتوليد هذه الجزيئات، استخدم الباحثون مواد طليعية مستقرة تحتوي على مجموعات “السيليل” (Silyl groups) -وهي مجموعات ذرات تتوسطها ذرة سيليكون- إلى جانب مجموعات مغادرة قريبة.

عند معالجة هذه المواد بـ “أصناف الفلوريد”، تشكل الكوبين أو الكوادريسيكلين داخل وعاء التفاعل. وبما أن هذه الجزيئات شديدة التفاعل وغير مستقرة بطبيعتها، فقد تم اقتناصها فوراً بواسطة مواد متفاعلة أخرى. مكنت هذه العملية من إنتاج مركبات كيميائية معقدة وغير تقليدية، يصعب تخليقها باستخدام الطرق التقليدية المعتادة.

الأهمية العلمية: ما وراء الروابط المسطحة

تكمن الأهمية الكبرى لهذا الاكتشاف في إعادة تعريف رتبة الرابطة الكيميائية. في الألكينات التقليدية، تتخذ ذرات الكربون هندسة مستوية مثلثية، وتكون رتبة الرابطة هي (2)، مما يعكس زوجين من الإلكترونات المشتركة. لكن في جزيئات جارج، وبسبب الشكل المضغوط والمجهد للغاية، اكتشف الكيميائي الحاسوبي كين هوك أن رتبة الرابطة تقترب من (1.5) بدلاً من (2).

أطلق الفريق مصطلح “التهجين الهرمي المفرط” (Hyperpyramidalized) لوصف هذا التشوه الشديد. فبدلاً من أن تكون ذرات الكربون في الرابطة المزدوجة مسطحة، فإنها تبرز للخارج بشكل هرمي حاد. ورغم أن هذه الجزيئات لا يمكن عزلها أو رؤيتها مباشرة بسبب قصر عمرها، إلا أن الأدلة التجريبية المقترنة بالنمذجة الحاسوبية أكدت وجودها العابر خلال التفاعلات.

الآثار المستقبلية وتطوير الأدوية

لا يعد هذا الاكتشاف مجرد تمرين أكاديمي في كسر القواعد، بل له أبعاد عملية هامة في تصميم الأدوية المستقبلية. يعتمد الطب الحديث بشكل متزايد على جزيئات ثلاثية الأبعاد معقدة للتفاعل بدقة مع الأهداف البيولوجية داخل الجسم. وبينما بدأت الهياكل المسطحة التقليدية تستنفد إمكانياتها، تبرز الحاجة إلى لبنات بناء جزيئية ثلاثية الأبعاد تتسم بالصلابة والفرادة.

يشير البروفيسور جارج إلى أن التشكيك في القواعد التقليدية هو المحرك الأساسي للابتكار؛ فبدون دفع حدود المعرفة والخيال، لن نتمكن من تطوير تقنيات طبية أو كيميائية جديدة. إن القدرة على التحكم في هذه الجزيئات “المستحيلة” تفتح الباب أمام جيل جديد من المركبات التي قد تغير وجه الصناعة الدوائية، وتثبت أن الكيمياء، في جوهرها، لا تزال تخفي الكثير من الأسرار وراء جدران المختبرات.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *