مقدمة: البحث عن المرفأ الآمن
في عالمٍ يتسم بالسرعة والاضطراب، وتتجاذبه أمواج الماديات من كل جانب، يجد الإنسان المعاصر نفسه في صراع دائم مع القلق والتوتر. إن البحث عن الطمأنينة والسكينة ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية وفطرة إنسانية فطر الله الناس عليها. وفي رحاب الإسلام، نجد أن السكينة ليست مجرد حالة غياب للخوف، بل هي حضورٌ إلهي يملأ القلب نوراً، ويمنح الروح ثباتاً أمام عواصف الحياة.
أولاً: مفهوم السكينة في التصور الإسلامي
السكينة في اللغة مشتقة من السكون، وهي الوقار والطمأنينة التي ينزلها الله في قلب عبده عند مخاوفه وانزعاجه، فلا يزلزل عند هبوب رياح الابتلاء. وقد ورد ذكر السكينة في القرآن الكريم في مواطن حرجة، لتبين لنا أنها هبة ربانية للمؤمنين؛ يقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) [الفتح: 4].
إن هذه الآية الكريمة توضح لنا أن السكينة جند من جنود الله، يثبت بها القلوب المؤمنة، وهي ليست مكتسبة بمحض الجهد البشري المادي، بل هي ثمرة للصلة الصادقة مع الخالق جل وعلا. إنها تلك الحالة الروحية التي تجعل الإنسان يبتسم والدموع في عينيه، ويصمد والجميع من حوله يتهاوون.
ثانياً: الصلاة.. معراج الروح وملاذ الخائفين
لقد جعل الله الصلاة ركناً أساسياً ليس فقط كواجب تعبدي، بل كمنظومة متكاملة لتحقيق الاستقرار النفسي. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر (أي نزل به كرب) فزع إلى الصلاة، وكان يقول لبلال رضي الله عنه: “أرحنا بها يا بلال” (رواه أبو داود). وفي هذا التعبير النبوي لفتة عبقرية؛ فالراحة تكمن “في” الصلاة لا “منها”.
الصلاة هي الوقت الذي ينفصل فيه العبد عن ضجيج الدنيا ليتصل بملكوت السماوات والأرض. عندما يقف المصلي ويقول “الله أكبر”، فإنه يعلن ضمنياً أن كل ما يقلقه من هموم الدنيا، ومشكلات العمل، وتحديات الرزق، هي أصغر بكثير من عظمة الله. هذا الاستحضار لعظمة الله يغرس في القلب طمأنينة لا تضاهى، ويحول الصلاة من مجرد حركات آلية إلى تجربة روحية شفائية.
ثالثاً: ذكر الله.. جلاء القلوب وقوت الأرواح
يعد الذكر أقصر الطرق للوصول إلى مرتبة السكينة. فالقلب الذي يلهج بذكر الله هو قلب حي، يستمد طاقته من نبع لا ينضب. يقول الله عز وجل في محكم تنزيله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].
إن الطمأنينة هنا جاءت مرتبطة بالذكر ارتباطاً شرطياً؛ لأن الذكر يطرد الشيطان، ويزيل الهم والغم عن القلب، ويجلب الفرح والسرور. والذكر لا يقتصر على التسبيح باللسان فحسب، بل هو حضور القلب مع الله، واستشعار مراقبته في كل حين. ومن أعظم الأذكار التي تمنح السكينة “الاستغفار”، فبالاستغفار تنحل العقد، وتتوسع الأرزاق، وتنزاح جبال الهموم عن كاهل العبد.
رابعاً: الرضا بالقضاء والقدر.. بوابة السلام الداخلي
لا يمكن للإنسان أن يتذوق طعم الطمأنينة وهو في حالة خصام مع القدر. إن الإيمان بالقضاء والقدر هو الركن الذي يستند إليه المؤمن فلا يسقط. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له” (رواه مسلم).
حين يعلم المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه، تنزل برد السكينة على قلبه. هذا اليقين هو الذي جعل الصالحين يستقبلون المصائب بقلوب ثابتة، مدركين أن وراء كل محنة منحة، ومع كل عسر يسراً؛ كما قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: 5-6].
خامساً: أثر الأخلاق وحسن المعاملة في راحة البال
قد يغفل البعض عن الرابط الوثيق بين السلوك الأخلاقي والراحة النفسية. فالإسلام يقرر أن فعل الخير، وإعانة المحتاج، وكف الأذى، هي مسببات مباشرة للسكينة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه” (رواه مسلم). العمل الصالح يترك أثراً نورانياً في القلب، ويجعل الإنسان متصالحاً مع نفسه ومع مجتمعه.
بالمقابل، فإن الحقد، والحسد، والغل، هي أمراض تنهش في سكينة الروح قبل أن تضر الآخرين. لذا، فإن تطهير القلب من هذه الشوائب هو خطوة أساسية في رحلة البحث عن الطمأنينة. السكينة تسكن القلوب الطاهرة التي تحب الخير للناس، ولا تحمل ضغينة لأحد، عملاً بقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) [الحشر: 10].
سادساً: خطوات عملية لتحقيق السكينة في حياتنا
- تخصيص وقت للخلوة الإيمانية: ولو لعشر دقائق يومياً بعيداً عن الهواتف ووسائل التواصل، لمناجاة الله وتدبر القرآن.
- تدبر القرآن الكريم: فالقرآن هو الشفاء التام لكل أدواء الصدور، وقراءته بتفكر تورث القلب بصيرة وثباتاً.
- تجديد التوبة: فالذنوب هي أكبر منغصات السكينة، والتوبة تفتح صفحة جديدة من السلام النفسي.
- الصحبة الصالحة: فالإنسان يتأثر بمن حوله، ومجالسة الذاكرين والمؤمنين تشيع في الروح هدوءاً وسكينة.
- التوكل العملي: بأن يبذل الإنسان الأسباب ثم يفوض النتائج لله سبحانه وتعالى.
خاتمة: السكينة هي الفلاح الحقيقي
في ختام هذا البيان، ندرك أن السكينة والطمأنينة ليست أهدافاً نصل إليها بالمال أو الجاه، بل هي ثمار طيبة لشجرة الإيمان الراسخة في القلب. إن المسلم الذي يربط قلبه بخالقه، ويجعل من ذكره زاداً، ومن صلاته معراجاً، ومن الرضا بالقدر حصناً، هو الإنسان الذي استطاع أن يحقق “الحياة الطيبة” التي وعد الله بها عباده المؤمنين حيث قال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل: 97].
فاللهم أنزل السكينة على قلوبنا، واجعلنا من المطمئنين بذكرك، الراضين بقضائك، المقبلين على طاعتك، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.

اترك تعليقاً