العجب بالنفس: الداء العضال والسم القاتل.. كيف تنجو بقلبك؟

# العجب بالنفس: الداء العضال والسم القاتل.. رؤية شرعية في المظاهر والعلاج

إنَّ من أعمق الحقائق التي يجب أن يستوعبها كل مؤمن هي حقيقة الضعف البشري الأصيل. فالإنسان، مهما ارتقى في مدارج العلم أو القوة أو الجاه، يبقى في جوهره كائناً مفتقراً إلى خالقه، محاطاً بالعجز من كل جانب. هذا الضعف ليس عارضاً، بل هو الحالة التي جُبل عليها، والأساس الذي قام عليه خلقه؛ كما قرر الحق سبحانه في محكم التنزيل بقوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} [الروم: 54]، وبقوله جل في علاه: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].

هذا الضعف يتجلى في أبهى صوره حين يقف الإنسان عاجزاً عن مخالفة هواه، غير قادر على مقاومة الدواعي النفسية والنزوات التي تتقاذفه، حتى إنه ليجد نفسه أحياناً منساقاً خلف الشهوات، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً أمام المغريات، إلا إذا تداركته رحمة الله وعصمته. ومن هنا، يبرز خطر “العجب بالنفس” كواحد من أفتك الأمراض التي تصيب القلوب وتفسد الأعمال.

حقيقة العجب بالنفس وضرورة الافتقار إلى الله

إن العبد، مهما أُوتي من مهارات فذة، أو مواهب متعددة، أو قدرات عقلية وجسدية فائقة، لا يحل له أبداً أن يركن إلى نفسه أو يعتمد على حوله وقوته دون استعانة بربه. إن اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بالاستغناء عن مدد الله هي لحظة السقوط؛ فمتى أُعجب العبد بنفسه، وغفل عن ربه، وُكل إلى عجزه، فذلَّ وخُذل وضلَّ الطريق.

لا غنى للعبد عن ربه طرفة عين، ولا مِرية في أن كمال العبودية يكمن في إظهار الفقر والفاقة بين يدي الله سبحانه. فمنه وحده يُستمد العون، ومنه يُستلهم الرشاد، كما جاء في الحديث القدسي الجليل: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ». وهذا هو المنهج الذي سار عليه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فكان دائم الإخبات لربه، شديد الصلة به، ومن دعائه المأثور: «أَنَا بِكَ وإليكَ»؛ أي بك أعتمد، وإليك ألتجئ، فلا حول لي ولا قوة إلا بك.

دروس من السيرة النبوية في نبذ العجب

لقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في التواضع والافتقار إلى الله في أحلك الظروف. ففي يوم الخندق، وبينما كان الصحابة يواجهون الأحزاب والبرد والجوع، كان صلى الله عليه وسلم يشاركهم العمل اليدوي الشاق، ينقل التراب ويرتجز بكلمات ابن رواحة رضي الله عنه:

*واللهِ لولا اللهُ ما اهتَدَينا … ولا تصدَّقْنَا ولا صلَّينا*
*فأنزِلَنْ سَكِينةً علينـــــــا … وثبِّتِ الأقدامَ إن لَاقَيْنا*

هذه الكلمات ليست مجرد شعر، بل هي إعلان صريح بأن كل هداية، وكل صلاة، وكل ثبات، إنما هو بفضل الله وحده. ومن حرصه صلى الله عليه وسلم على غرس هذا المعنى في نفوس أهله، ما أوصى به ابنته فاطمة رضي الله عنها حين قال لها: «ما يمنعُكِ أَنْ تسمعي ما أُوصِيكِ به؟ أن تقولي إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حي يا قيوم برحمتِك أستغيثُ، أصلِحْ لي شأنِيَ كلَّه، ولا تَكِلْنِي إلى نفسي طرفةَ عين».

إن تحقيق التوكل الصادق يمنع العبد من أن يثق بنفسه الثقة التي توقعه في فخ العجب. وقد ذكر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بمنته وحفظه له من الركون إلى المشركين، فقال: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74]. فإذا كان المعصوم صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى تثبيت الله، فكيف بنا ونحن الضعفاء؟

العجب بالنفس: بوابة الكبر والهلاك

يعد العجب بالنفس من أشر أنواع الكبر وأخبثها، فهو يفتك بالقلب ويفسد العمل. فمتى وُكل العبد إلى نفسه، غلبته أهواؤه وأسرته ذنوبه، وتخلت عنه عناية الرحمن ليحيط به الخذلان من كل جانب. ولنا في التاريخ عبرة، فهذا إبليس اللعين، كان أول من سلك طريق العجب حين اغتر بأصله وناره، فقال بلسان الاستكبار: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، فكان جزاؤه الطرد من رحمة الله واللعنة إلى يوم الدين.

وكذلك كان حال صاحب الجنتين الذي جحد فضل ربه، وأُعجب بماله وثمره، وظن أن ماله لن يبيد أبداً، فكان مآله الهلاك والحسرة والندامة. وحتى في تاريخ المسلمين، وقعت عبرة يوم حنين، حين أعجب بعضهم بكثرتهم وقالوا: “لن نُغلب اليوم من قلة”، فوُكلوا إلى كثرتهم فخُذلوا في بداية الأمر، حتى تداركهم الله بنصره.

يقول بعض السلف في وصف هذا الداء: “الخوف من الله يوصلك إلى الله، والكبر والعجب في نفسك يقطعك عن الله، واحتقار الناس في نفسك مرض عظيم لا يداوى”.

مظاهر العجب بالنفس في حياتنا المعاصرة

للعجب صور كثيرة تتسلل إلى النفس من حيث لا يشعر المرء، ومن أبرز هذه المظاهر:

1. العجب بالقدرة والشجاعة: حيث يقتحم المرء الفتن والشرور مدعياً الحصانة، فيغتر برباطة جأشه ويظن أنه لن يتأثر، فيسقط في الفخ.
2. العجب بالذكاء والفهم: فيظن المرء أن فطنته تعجز عنها العقول، مما يجعله يستبد برأيه ويأنف من المشورة.
3. العجب بالعلم والمعرفة: وهو من أخطر المظاهر، حيث يصده غروره بعلمه عن الاستزادة، ويتحول علمه إلى وسيلة للمباهاة والمماراة والمكابرة.
4. العجب بالمال والثروة: فينسب الفضل في جمعه إلى ذكائه وكدحه، كما قال قارون: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78]، فيمنع حق الله فيه ويبدده في المعاصي.
5. العجب بالجهد والإنجاز: فتجد العبد يقول: “بجهدي، بعرقي، بكدي”، فيجحد منة الله عليه وينسب النجاح لذاته.
6. العجب بالنسب والحسب: فيفاخر بأصله ويقعد عن اكتساب المعالي، ناسياً أن من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
7. العجب بالجمال والهيئة: فيغفل عن جمال الروح ونقاء الخلق، ويغتر بجمال زائل لا يد له فيه.

إن العجب دليل صارخ على الجهل بحقيقة النفس؛ لذا نجد القرآن الكريم يركز دائماً على تذكير الإنسان بأصله من طين ونطفة، ليعرف قدره ويفتقر لخالقه.

عقوبة العجب وسبيل النجاة

لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من العجب واعتبره من المهلكات، فقال: «فأمَّا المُهلِكاتُ: فشُحٌّ مُطاعٌ، وهَوًى مُتَّبَعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسِه». وصور لنا عاقبة المغتر بنفسه في الدنيا قبل الآخرة بقوله: «بينما رجلٌ يتبختَرُ، يمشِي في بُرديهِ قد أعجبَته نفسُه؛ فخسَفَ اللهُ به الأرضَ، فهو يتجلجَلُ فيها إلى يومِ القيامةِ».

ولعلاج هذا الداء، يجب على العبد اتباع الخطوات التالية:

  • مشاهدة منة الله: أن يعلم يقيناً أن كل نعمة بين يديه هي محض فضل من الله، وأن المنعم قادر على سلبها في لحظة.
  • مطالعة عيوب النفس: أن ينظر العبد في تقصيره وعصيانه، فمشاهدة المنة توجب الحمد، ومطالعة العيب توجب الانكسار والذل لله.
  • تحقيق التوكل: الاعتقاد الجازم بأن التوفيق والتسديد إنما هو بالله لا بالذكاء ولا بالحول والقوة.
  • الدعاء والالتجاء: كدعاء يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}، ودعاء ابن مسعود رضي الله عنه: “فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك”.

ختاماً، يا عباد الله، من عرف ربه بالعظمة، وعرف نفسه بالعجز، صغرت نفسه في عينه واستقامت بصيرته. فاستمسكوا بحبل الافتقار، واحذروا مزالق الغرور، وصلوا وسلموا على من بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، فقد أمركم الله بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *