أسرار الشكر والحمد: كيف تفتح أبواب الزيادة والطمأنينة؟

# أسرار الشكر والحمد: كيف تفتح أبواب الزيادة والطمأنينة في حياتك؟

إن الحمد ليس مجرد لفظة تلوكها الألسن، أو عبارة عابرة تُقال عند الفرح، بل هو مقام إيماني رفيع، وحالة من الوعي القلبي العميق التي تلازم العبد في سائر أحواله. إن المتأمل في حقيقة العبودية يدرك أن الحمد هو جوهر الصلة بين العبد وربه، وهو الاعتراف الصامت والناطق بجميل فضل الله تعالى وإحسانه.

الحمد: وعيٌ يسبق اللسان

الحمد في حقيقته ليس مجرد كلمة تُقال بعد نيل النعمة، بل هو وعيٌ كامل يُمنح للعبد مع النعمة ذاتها. فإذا ألهَمَ الله تعالى العبد أن يحمده، فقد سبقه بالعطاء الإلهي قبل أن يسبقه العبد بالثناء اللساني. هذا الوعي هو الذي يميز المؤمن الذي يرى يد الله في كل عطاء، وبين من يرى النعمة مجرد حظ عابر أو نتاج جهد شخصي.

إن إلهام الله للعبد بالحمد هو في حد ذاته نعمة تستوجب حمداً آخر، وهكذا يدخل المؤمن في دائرة من النور والرضا لا تنتهي. فالحامد الحقيقي هو من أدرك أن توفيقه للقول “الحمد لله” هو عطاء أعظم من النعمة التي استوجبت هذا الحمد؛ لأن النعمة المادية قد تزول، أما توفيق الله للعبد بالثناء عليه فهو باقٍ في صحيفته، خالد في أثره.

معرفة المنعِم لا امتلاك النعمة

إن الحمد الحقيقي يدل بالضرورة على معرفة المنعِم سبحانه، لا على مجرد امتلاك النعمة. فكم من مستدرج بالنعيم وهو غافل عن المنعِم، وكم من محروم في الظاهر وهو غارق في أنوار القرب لأنه عرف من هو المعطي.

عندما يركز الإنسان على النعمة ذاتها، فإنه يرتبط بشيء زائل، متغير، ومحدود. أما عندما يركز على المنعِم، فإنه يرتبط بالباقي، الدائم، والقدير. ومن هنا يسهل الشكر على من عرف الله بصفات جلاله وجماله؛ فالمعرفة هي مفتاح الامتنان، وكلما ازداد العبد معرفة بربه، ازداد حياءً منه، وازداد لهجاً بذكره وحمده.

تدبر في قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}. هذه الآية العظيمة تفتح لنا آفاقاً للتأمل في ندرة الشكر الحقيقي. فالناس في النعم صنفان: صنف غارق في النعمة ناسٍ للمنعِم، وصنف يذكر المنعِم بلسانه وقلبه غافل. أما “الشكور” فهو الذي استغرق الشكرُ كل كيانه، فصار يرى في كل نَفَسٍ، وفي كل نبضة قلب، وفي كل سكون وحركة، فضلاً من الله يستحق الثناء.

إن قلة الشاكرين تعود إلى أن الشكر يتطلب يقظة قلبية مستمرة، وقدرة على رؤية النعم الخفية قبل الظاهرة. الشكور هو من يشكر على المنع كما يشكر على العطاء، لأنه يعلم أن الله لا يقضي للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له. هذا المقام هو الذي جعل الشاكرين فئة قليلة، متميزة بوعيها، ومرتقية بإيمانها.

المقارنة العظمى: الدنيا ومقام الحمد

لو قُدّر للعبد أن يُرزق الدنيا وما فيها، من كنوز وأموال وجاه وسلطان، ثم أُلهم أن يقول بصدق ويقين: “الحمد لله”، لكان إلهام الله له بهذا الثناء أعظم نعمة وأجلّ عطاء من الدنيا وما فيها.

لماذا؟ الإجابة تكمن في طبيعة الأشياء. فنعيم الدنيا، مهما عظم وتنوع، هو نعيم زائل، مآله إلى الفناء، وصاحبه مفارقه لا محالة. أما ثواب الحمد، وتلك الحالة الإيمانية التي استقرت في القلب، فهي باقية لا تزول. إن الدنيا عرض حاضر، أما الحمد فهو ذخرٌ مدخر عند رب العالمين.

قد يُعطى الإنسان الدنيا كلها ثم تزول عنه في لحظة، أو يزول هو عنها، ولكن يبقى له ما قاله بقلبه قبل لسانه: “الحمد لله”. تلك الكلمات الصادقة هي التي سترافقه في قبره، وهي التي ستثقل ميزانه يوم القيامة، وهي التي ستكون سبباً في رقيه في درجات الجنان.

باب الزيادة وباب الطمأنينة

من فُتح له باب الشكر، فقد فُتح له في الحقيقة بابان عظيمان لا ينفصلان: باب الزيادة وباب الطمأنينة.

1. باب الزيادة: هو الوعد الرباني القاطع بأن الشكر طريق النماء والبركة. الزيادة لا تقتصر فقط على الجوانب المادية، بل تشمل الزيادة في الإيمان، والزيادة في التوفيق، والزيادة في الصحة، والزيادة في المحبة والقبول.
2. باب الطمأنينة: الشاكر يعيش في سلام داخلي لا تهزه العواصف. لماذا؟ لأنه يعلم أن أمره كله بيد المنعِم. فهو لا يقلق من فوات رزق، ولا يضطرب عند حدوث مكروه، لأنه يرى في كل حالٍ وجهاً من وجوه فضل الله يستوجب الحمد. هذه الطمأنينة هي الجنة المعجلة في الدنيا قبل الآخرة.

إن الشكر يحول القليل إلى كثير، والضيق إلى سعة، والاضطراب إلى سكون. إنه الكيمياء الإيمانية التي تغير نظرة الإنسان للحياة، فتجعل من الكوخ قصراً بذكر الله، ومن اللقمة البسيطة مأدبة عظيمة بالامتنان.

كيف نصل إلى مقام الشكر الحقيقي؟

إن الوصول إلى مقام الشكر يتطلب مجاهدة للنفس وتربية للقلب على رؤية المنعِم قبل النعمة. ومن الوسائل التي تعين على ذلك:

  • التفكر الدائم: تأمل في جسدك، في سمعك وبصرك، في الهواء الذي تستنشقه، وفي الستر الذي يحيط بك. كل هذه نعم تستوجب الحمد الدائم.
  • رؤية المنعِم: تدرب على أن تربط كل عطاء يصلك بالله عز وجل. إذا أحسن إليك إنسان، فاحمد الله الذي سخر لك هذا القلب. إذا نجحت في عمل، فاحمد الله الذي ألهمك الرشاد.
  • استحضار الفناء: تذكر دائماً أن الدنيا زائلة، وأن ما يبقى هو ثواب الذكر والثناء. هذا الاستحضار يجعلك تزهق في فاني الدنيا وترغب في باقِي الآخرة.
  • ملازمة الحمد في كل حال: لا تقصر حمدك على السراء فقط، بل اجعل لسانك رطباً بذكر الله في الضراء أيضاً، يقيناً منك بأن الله أرحم بك من نفسك.

الخاتمة: الشكر طريق السعادة الأبدية

في الختام، إن من عرف المنعِم سَهُل عليه الشكر، ومن ذاق حلاوة الحمد استصغر عظيم النعم بجانب عظمة المنعِم سبحانه. إننا نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نجدد إيماننا بمقام الشكر، وأن نجعل من “الحمد لله” منهاج حياة، لا مجرد كلمة تقال.

تذكر دائماً أن الدنيا بكل ما فيها من بريق وزينة لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولكن كلمة “الحمد لله” تملأ الميزان. فاجعل قلبك معلقاً بالمنعِم، ولسانك يلهج بالثناء، وستجد أن أبواب الخير والزيادة والطمأنينة قد فُتحت لك من حيث لا تحتسب. فاللهم اجعلنا من القليل الذين قلت فيهم: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، وألهمنا حمدك الذي يرضيك عنا، ويورثنا جنتك وطمأنينة قربك.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *