مقدمة: البحث عن السكينة في عالم مضطرب
في عصرنا المتسارع، الذي تطغى فيه الماديات وتتزايد فيه الضغوط النفسية، يجد الكثيرون أنفسهم في دوامة من القلق والتشتت. إن الروح البشرية، بطبيعتها التي فطرها الله عليها، لا تجد مستقرها الحقيقي ولا أنسها التام إلا في الاتصال بخالقها. إن الطمأنينة القلبية ليست مجرد غياب للمشاكل، بل هي حالة إيمانية عميقة تجعل القلب ساكناً وسط العواصف، مستبصراً بنور الله في حلكة الظلمات. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].
مفهوم الطمأنينة في الإسلام
الطمأنينة في اللغة هي السكون بعد الانزعاج، وفي الاصطلاح الإيماني هي ثبات القلب عند ورود الواردات عليه، وعدم انزعاجه بالمخاوف أو الأطماع. هي مرتبة عالية من مراتب اليقين، حيث يمتلئ القلب بالرضا عن الله وبقدره. إنها الحالة التي وصفها الله للمؤمنين عند الممات وفي دار الكرامة بقوله: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) [الفجر: 27-28].
إن هذه السكينة تنبع من معرفة الله بأسمائه وصفاته؛ فمن عرف أن ربه هو ‘اللطيف’ و’الخبير’ و’الوكيل’، لم يستبد به يأس، ولم يتمكن منه خوف من مستقبل أو حزن على ماضٍ. إنها ثقة مطلقة بأن مقاليد الأمور بيد ملك مقتدر لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
أولاً: الصلاة.. معراج الروح وملاذ الخائفين
تعتبر الصلاة هي الركن الركين في تحقيق التوازن النفسي والروحي. هي ليست مجرد حركات تؤدى، بل هي صلة مباشرة بين العبد وربه. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر (أي اشتد عليه) فزع إلى الصلاة، وكان يقول لبلال رضي الله عنه: “أرحنا بها يا بلال”. وفي هذا إشارة عميقة إلى أن الراحة الحقيقية تكمن في الخروج من ضيق الدنيا إلى سعة الوقوف بين يدي الله.
لتحقيق الطمأنينة في الصلاة، لابد من استحضار الخشوع، وهو لب الصلاة وروحه. يقول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون: 1-2]. عندما يدخل المصلي في صلاته مستشعراً عظمة الخالق، تتضاءل في عينه كل المشاكل الدنيوية، ويستمد من الله القوة والصبر والمضي قدماً.
ثانياً: دوام الذكر وتأثيره على كيمياء الروح
الذكر هو أقصر الطرق للوصول إلى السكينة. والذكر لا يقتصر على اللسان فحسب، بل هو مواطأة القلب للسان. إن الذاكر لله يشعر بمعية الله الخاصة، كما جاء في الحديث القدسي: “أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه”. ومن كان الله معه، فمن عليه؟
- التسبيح والتحميد: يملآن الميزان ويطردان وساوس الشيطان.
- الاستغفار: هو الممحاة التي تزيل ران الذنوب الذي يسبب ضيق الصدر، كما قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا) [نوح: 10-11].
- تلاوة القرآن: القرآن هو الشفاء الأكبر، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء: 82].
إن قراءة القرآن بتدبر تورث القلب حكمة وسكينة لا تُقدّر بثمن، فهي تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتُذكّر الإنسان بحقارة الدنيا وقرب الآخرة.
ثالثاً: التوكل على الله وحسن الظن به
من أعظم أسباب الطمأنينة أن يلقي العبد أحماله وهمومه على باب الله، موقناً بأن الله لن يضيعه. التوكل ليس عجزاً أو تواكلاً، بل هو أخذ بالأسباب مع تعلق القلب بمسبب الأسباب. يقول الله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: 3]. أي كافيه.
وعن صهيب الرومي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له”. هذا الحديث هو دستور الطمأنينة؛ فالمؤمن رابح في كلتا الحالتين، وهذا اليقين يمنحه ثباتاً انفعالياً وقوة نفسية هائلة.
رابعاً: الرضا بالقضاء والقدر
الرضا هو جنة الدنيا، وهو مستراح العابدين. عندما يعلم الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، يستريح قلبه من ‘لو’ و’ليت’ التي تفتح عمل الشيطان. الرضا لا يعني عدم التألم، بل يعني عدم الاعتراض على حكم الله، واليقين بأن الخيرة فيما اختاره الله، حتى لو بدا الأمر في ظاهره مؤلماً. (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].
خامساً: تزكية النفس والبعد عن المعاصي
إن للمعصية وحشة في القلب، وظلمة في الوجه، وضيقاً في الرزق. لا يمكن للقلب أن يطمئن وهو مثقل بآثار المخالفات الشرعية. الطمأنينة ثمرة لنفس زكية طاهرة. يقول تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [الشمس: 9-10]. التوبة النصوح وتجديد العهد مع الله يعيدان للقلب بهاءه وصفاءه، ويفتحان أبواب السكينة المنغلقة.
خاتمة: طريقك نحو حياة هادئة
إن الوصول إلى الطمأنينة القلبية ليس ضرباً من الخيال، بل هو ثمرة عمل دؤوب وإيمان صادق. ابدأ يومك بذكر الله، واجعل صلاتك وقتاً للانفصال عن العالم، وتوكل على الله في كل شأنك، وارضَ بما قسمه الله لك، تجد السعادة تطرق بابك والسكينة تملأ جوانحك.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وارزقنا نفوساً مطمئنة تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك. إنك سميع مجيب الدعاء.

اترك تعليقاً