مقدمة: لغز في قبو البلدية يعود للواجهة
لطالما أحاط الغموض برفات «امرأة بيتشي هيد» (Beachy Head Woman)، الهيكل العظمي الذي يعود للعصر الروماني واكتُشف في جنوب إنجلترا. فبعد عقود من التكهنات والنتائج الأولية التي أشارت إلى أصول محتملة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أو حوض البحر الأبيض المتوسط، تأتي دراسة جينية حديثة لتقلب الموازين. تشير البيانات المستخلصة عبر تقنيات التسلسل الجيني المتقدمة إلى أن هذه المرأة كانت، على الأرجح، من سكان بريطانيا المحليين، مما ينهي جدلًا علميًا استمر لأكثر من عشر سنوات حول هويتها وأصولها.
يعود تاريخ الاكتشاف الحديث لهذا الرفات إلى عام 2012، ضمن مشروع «أسلاف إيستبورن» (Eastbourne Ancestors Project)، عندما عُثر على صندوق في قبو مبنى بلدية إيستبورن يحتوي على هيكل عظمي لامرأة شابة. ووفقًا لملصق يدوي، فقد عُثر عليها بالقرب من جرف «بيتشي هيد» في الخمسينيات. وقد أثارت الأبحاث الأولية اهتمامًا عامًا واسعًا حينها، إذ اعُتقد أنها تمثل دليلًا نادرًا على الوجود الأفريقي المبكر في بريطانيا الرومانية، قبل أن تأتي التطورات التقنية الأخيرة لتقدم رواية أكثر دقة.
المنهجية العلمية: قفزة تقنية في استخلاص الـ DNA القديم
اعتمد الباحثون في الدراسة المنشورة في دورية «Journal of Archaeological Science» على تطور هائل في أدوات التحليل الجيني. ففي عام 2017، كانت محاولات استخراج الحمض النووي محدودة بسبب تدهور العينة، مما أعطى مؤشرات غير دقيقة تميل نحو أصول متوسطية (قبرصية تحديدًا)، وهي نتائج لم تُنشر آنذاك لعدم كفايتها العلمية.
بحلول عام 2024، مكنت تقنيات «تسلسل الجيل القادم» (Next-Generation Sequencing) العلماء من استعادة كمية أكبر بكثير من المواد الوراثية عالية الجودة. ويوضح الدكتور ويليام مارش، أحد الباحثين المشاركين: «باستخدام أحدث تقنيات الحمض النووي ومقارنتها بالجينومات المنشورة حديثًا، تمكنا من تحديد نسب امرأة بيتشي هيد بدقة أكبر من أي وقت مضى. أظهرت النتائج أنها تحمل أصولًا وراثية تشبه إلى حد كبير الأفراد من السكان المحليين في بريطانيا خلال العصر الروماني».
الأهمية العلمية: نافذة على الحياة في بريطانيا الرومانية
تكمن أهمية هذا الكشف في تصحيح السردية التاريخية حول التنوع السكاني في المقاطعات الرومانية. فبينما كان التنقل بين شمال أفريقيا وبريطانيا شائعًا -كما تؤكد الأدلة الأثرية والنقوش التاريخية- إلا أن حالة «امرأة بيتشي هيد» تثبت ضرورة التحقق من كل حالة على حدة باستخدام بيانات صلبة.
وبعيدًا عن الأصول الوراثية، قدم التحليل الفيزيائي والكيميائي لرفاتها تفاصيل مذهلة عن حياتها:
- العمر والبنية: توفيت في سن يتراوح بين 18 و25 عامًا، وكان طولها يزيد قليلًا عن 1.5 متر.
- التاريخ الصحي: كشف فحص العظام عن إصابة ملتئمة في ساقها، مما يشير إلى تعرضها لجرح خطير لكنها تعافت منه.
- النظام الغذائي: أظهرت نسب نظائر الكربون والنيتروجين في عظامها أنها كانت تستهلك المأكولات البحرية بانتظام، وهو ما يتماشى مع العيش في منطقة ساحلية مثل بيتشي هيد.
- الملامح الظاهرية: بفضل البيانات الجينية المحدثة، تمكن العلماء من التنبؤ بملامحها بدقة، حيث يرجح أنها كانت ذات بشرة فاتحة، وعيون زرقاء، وشعر أشقر.
الآفاق المستقبلية وتطور المعرفة العلمية
تعتبر الدكتورة سيرينا بريس، المتخصصة في الحمض النووي القديم والمؤلفة الرئيسية للدراسة، أن هذا التطور يعكس جوهر الممارسة العلمية؛ فالإجابات ليست نهائية بل تتطور مع تطور الأدوات. إن القدرة على إعادة فحص المجموعات المتحفية القديمة باستخدام التكنولوجيا المعاصرة تفتح الباب أمام إعادة كتابة قصص آلاف الأفراد المنسيين في التاريخ.
إن التحول من فرضية الأصول الأفريقية إلى التأكيد على الأصول البريطانية المحلية لا يقلل من شأن التنوع التاريخي لبريطانيا، بل يمنحنا صورة أكثر واقعية عن المجتمعات الريفية في العصر الروماني. ومع استمرار تقدم تقنيات الجينوم الأثري، يتوقع العلماء الكشف عن مزيد من التفاصيل حول الهجرات البشرية، والأنظمة الغذائية، والأمراض القديمة، مما يربط الماضي بالحاضر عبر شيفرة الوراثة بدقة غير مسبوقة.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً