صرخة من خلف القضبان: حملة عالمية لإنقاذ الأسرى الفلسطينيين

مقدمة: أنين القيد وواجب النصرة

في عتمة الزنازين حيث يمتزج الصبر بالألم، وحيث تنطق الجدران بآهات المظلومين، تبرز قضية الأسرى الفلسطينيين كجرح غائر في جسد الأمة وضمير الإنسانية. إن ما يتعرض له أسرانا اليوم ليس مجرد احتجاز للحرية، بل هو محاولة ممنهجة لكسر الإرادة واغتيال الروح. ومن منطلق الواجب الشرعي والإنساني، وفي ظل تصاعد وتيرة الانتهاكات التي بلغت حداً لا يمكن السكوت عنه، انطلقت صرخة مدوية من حناجر عائلات الأسرى، لتوقظ الضمائر النائمة وتستنهض الهمم في مشارق الأرض ومغاربها.

إن الأسر في سبيل الحق هو وسام شرف، لكن خذلان الأسير هو وصمة عار في جبين الإنسانية. ومن هنا، تأتي هذه الحملة الدولية لتضع العالم أجمع أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية تجاه آلاف الأبطال الذين يواجهون الموت البطيء خلف قضبان الغدر والظلم.

انطلاق الحملة الدولية: بجهود العائلات الصابرة

بإيمان راسخ وعزيمة لا تلين، أطلقت عائلات وزوجات عدد من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال حملة إعلامية عالمية كبرى. هذه المبادرة التي نبعت من رحم المعاناة وبجهود ذاتية، تهدف إلى إنقاذ الأسرى من “الظروف القاسية وأبشع الانتهاكات” التي يمرون بها. لقد أدركت هذه العائلات أن الصمت هو وقود للظالم، فقررن أن يكنّ صوت أزواجهن وأبنائهن في المحافل الدولية.

وجهت زوجات قدامى الأسرى نداءً حاراً إلى المؤسسات الحقوقية، والناشطين، والمؤثرين في أنحاء العالم كافة، للانضمام إلى هذا الحراك الإنساني. إن الهدف ليس مجرد التضامن العاطفي، بل هو فعل حقيقي للتصدي لقانون الإعدام الذي تسعى حكومة الاحتلال لتشريعه، مستهدفة الأسرى من ذوي الأحكام المؤبدة بشكل خاص، في سابقة إجرامية تخالف كل الأعراف البشرية.

أعلنت الحملة عن انطلاقها عبر بيان رسمي، أتبعته بسلسلة من الفيديوهات المؤثرة لزوجات أسرى بارزين، مؤكدة أن هذا الحراك سيستمر لمدة ستة أشهر متواصلة، لضمان بقاء قضية الأسرى حية في الوعي العالمي.

حرب إبادة خلف الأسوار: أبشع الانتهاكات

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت قضية الأسرى مرحلة هي الأخطر في تاريخ الحركة الأسيرة. فقد كشف بيان الحملة أن الأسرى يعيشون ظروفاً لا إنسانية تتجسد فيها أبشع صور الإبادة الجماعية. لم يعد الأمر مقتصراً على الحرمان من الحرية، بل تحول إلى استهداف مباشر للحياة والكرامة.

صور من المعاناة اليومية:

1. التعذيب الممنهج: استخدام أساليب وحشية في التحقيق والتنكيل اليومي.
2. العزل الانفرادي: وضع الأسرى في قبور مظلمة لمدد طويلة لكسر معنوياتهم.
3. الإهمال الطبي المتعمد: حرمان المرضى من العلاج الضروري، مما يحول السجون إلى مقابر للأحياء.
4. الاعتقال الإداري: احتجاز المئات دون تهمة أو محاكمة، في خرق صارخ للقانون الدولي.
5. استهداف النساء والأطفال: احتجاز الفئات المستضعفة في ظروف مهينة تحرمهم من أبسط حقوق الطفولة والأنوثة.

إن هذه الممارسات ليست مجرد تصرفات فردية، بل هي سياسة رسمية تهدف إلى إبادة الوعي الفلسطيني وتصفية رموز النضال.

شهادات حية: صوت الزوجات الصامدات

تحدثت السيدة عبلة سعدات، زوجة الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الأسير أحمد سعدات، بلسان يملؤه اليقين والحزن معاً. وصفت ما يتعرض له الأسرى بأنه “تعذيب دائم وإبادة جماعية”. وأكدت أن الوقوف بجانبهم ليس نافلة، بل هو ضرورة مركزية في نضال كل أحرار العالم. وأعربت عن خشيتها العميقة على مصير الأسرى في ظل حكومة يقودها المتطرفون الذين يسعون لتشريع القتل عبر قانون الإعدام.

أما السيدة وفاء أبو غلمي، زوجة الأسير عاهد أبو غلمي، فقد وصفت هذه المرحلة بأنها “أسوأ الفترات على الإطلاق”. وأشارت إلى انعدام أدنى مقومات الحياة، ومنع الزيارات، والضرب المستمر بالهراوات. إن هذه الشهادات تعكس واقعاً مريراً يتجاوز الخيال، حيث يصبح البقاء على قيد الحياة بحد ذاته معجزة يومية.

وفي سياق متصل، نقلت أم عبد الله السيد، زوجة الأسير عباس السيد، صورة صادمة لما وصل إليه حال زوجها وقيادات الأسرى، حيث أكدت أن وجه زوجها أصبح ملوناً بالكدمات من شدة الضرب والتنكيل، وهو ما نقله المحامون الذين تمكنوا من رؤيته بصعوبة.

الأهداف الاستراتيجية للحملة: خارطة طريق للحرية

أوضحت منسقة الحملة الناشطة غفران زامل أن هذه الحملة هي حراك إعلامي إنساني دولي يسعى لتحقيق أهداف محددة وواضحة، منها:

  • تسليط الضوء: كشف الجرائم التي تحدث بعيداً عن العيون داخل السجون واعتبارها “حرب إبادة ثانية”.
  • إلغاء القوانين الجائرة: التحرك القانوني والدولي لإلغاء القوانين العنصرية، وعلى رأسها قانون الإعدام الذي يهدد أكثر من 116 أسيراً من ذوي المؤبدات.
  • إنهاء قانون الطوارئ: المطالبة بإلغاء الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها مصلحة السجون منذ بدء الحرب.
  • تدويل القضية: تحويل قضية الأسرى من شأن محلي إلى قضية رأي عام عالمي، واستثمار القرارات الدولية التي تعتبر الاحتلال غير قانوني.
  • الضغط السياسي: تشكيل حالة من الضغط الشعبي والدولي لإجبار الاحتلال على تحسين شروط احتجاز الأسرى وإعادتها لما كانت عليه.

الجمهور المستهدف والجدول الزمني

تستهدف الحملة بشكل رئيسي الجمهور الغربي، مستفيدة من حالة الصحوة التي شهدتها الشعوب الغربية خلال حرب الإبادة على غزة. إن الضغط الشعبي في الغرب أثبت قدرته على تغيير مواقف الحكومات، ولو بالحد الأدنى. كما تتوجه الحملة بقلبها إلى الجمهور العربي والإسلامي، الذي يمثل العمق الاستراتيجي والسند الحقيقي لفلسطين.

تم تقسيم الحملة إلى محطات شهرية، حيث يخصص كل شهر لموضوع محدد:
1. الشهر الأول: قانون الإعدام والتهديدات الوجودية.
2. الأشهر التالية: قضايا الأسيرات، الأشبال (الأطفال)، المعزولين، والمرضى الذين يفتك بهم الإهمال الطبي.

نداء إلى ضمير الأمة والعالم

إن الأرقام تتحدث عن كارثة إنسانية؛ فحتى مطلع عام 2024، يقبع أكثر من 9300 أسير في سجون الاحتلال، بينهم 350 طفلاً و49 أسيرة. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات، بل هم قصص حب، وأحلام مؤجلة، وعائلات تنتظر على أحر من الجمر.

يا أحرار العالم، ويا أبناء الأمة الإسلامية، إن نصرة الأسير هي من أعظم القربات ومن أوجب الواجبات. لا تتركوا الأسرى وحدهم يواجهون آلة القتل والتعذيب. إن كل كلمة تكتبونها، وكل فيديو تشاركونه، وكل وقفة تضامنية تنظمونها، هي مسمار في نعش الظلم ولبنة في صرح الحرية.

ختاماً، ستبقى قضية الأسرى هي البوصلة، وسيبقى صمودهم هو الوقود الذي ينير لنا طريق النصر. إن الفجر آتٍ لا محالة، وقيد السجان لا بد أن ينكسر، وما ذلك على الله بعزيز. لنكن جميعاً جزءاً من حملة “أنقذوا الأسرى”، ولنرفع أصواتنا عالياً حتى ينال كل أسير حريته الكرامة.

اللهم فك أسر المأسورين، واجبر كسر المظلومين، ورد كل غائب إلى أهله سالماً غانماً. إنك على كل شيء قدير.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *