سنن مهجورة قبل الفجر: كيف تبدأ يومك ببركة الهدي النبوي؟

مقدمة: في رحاب السحر وبوارق الأنوار

إنَّ لحظاتِ ما قبل الفجر هي من أثمن لحظات العمر، فيها يتنزل الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، وفيها تسكن الأرواح وتتطلع القلوب إلى بارئها. إنَّ المسلم الحق هو الذي يقتفي أثر نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل سكناته وحركاته، ولا سيما في تلك الأوقات المباركة التي تسبق انبلاج عمود الصبح.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أنَّ اليوم لا يبدأ بمجرد فتح العينين، بل يبدأ بصلةٍ روحية عميقة، وبسلسلة من الأعمال التي تربط العبد بخالقه، وتطهر جسده وروحَه، وتجعله في ذمة الله وحفظه. في هذا المقال، نستعرض بشيء من التفصيل والوعظ المؤثر تلك “السنن الموقوتة” التي كان يفعلها خير الأنام قبل صلاة الفجر، لنحيي بها قلوبنا ونستنير بها في دروب حياتنا.

ما هي السنن الموقوتة؟

قبل الولوج في تفاصيل هذه السنن، يجدر بنا أن نفهم معنى “السنن الموقوتة”. إنها تلك الأعمال المستحبة التي وقتها الشارع الحكيم بأوقات معينة في اليوم والليلة، لتكون بمثابة محطات إيمانية يتزود منها المؤمن. وقد قسم العلماء هذه السنن إلى سبعة أوقات رئيسية:
1. وقت ما قبل الفجر.
2. وقت الفجر.
3. وقت الضحى.
4. وقت الظهر.
5. وقت العصر.
6. وقت المغرب.
7. وقت العشاء.

ونحن اليوم بصدد الحديث عن الوقت الأول، وهو وقت الاستيقاظ من النوم وما يسبق صلاة الفجر، وهو وقتٌ له خصوصية كبرى في تهيئة النفس للعبادة والخشوع.

أولاً: إحياء الجسد والروح بالسواك

أول ما يطالعنا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم عند استيقاظه هو الاعتناء بطهارة الفم. فعن حذيفة رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ»، وفي رواية الإمام مسلم: «كَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ».

تأمل معي أخي المؤمن في كلمة “يشوص”، وهي دلك الأسنان عرضاً بالسواك بقوة وإتقان. إنَّ هذا العمل ليس مجرد نظافة صحية، بل هو إعلان عن الاستعداد لمناجاة ملك الملوك. فالسواك مطهرة للفم، مرضاة للرب. إنَّ انبعاث رائحة الفم الطيبة عند القيام للتهجد أو الصلاة يعكس توقير العبد لربه وللملائكة التي تحضر الصلاة. إنها دعوة لنا جميعاً ألا نغفل عن هذه السنة العظيمة التي تجعل أنفاسنا معطرة بذكر الله وطهارة البدن.

ثانياً: إعلان التوحيد في أول لحظات اليقظة

ما أجمل أن يكون أول ما ينطق به لسانك هو الثناء على الله! كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أنَّ الاستيقاظ هو “بعثٌ صغر” بعد “موتة صغرى”. ففي صحيح البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا». وَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ».

إنَّ قولك “الحمد لله الذي أحيانا” هو اعتراف بالمنة والفضل لله الذي ردَّ إليك روحك، وأذن لك بذكره يوماً جديداً. وقولك “وإليه النشور” تذكيرٌ دائم بالبعث الأكبر، مما يجعل المسلم يستشعر قيمة الوقت، فيبدأ يومه بهمة عالية نحو الآخرة، لا يغره طمع ولا تلهيه دنيا.

ثالثاً: مسح أثر النوم والنظر إلى السماء

من السنن اللطيفة التي قد يغفل عنها الكثيرون، ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه المتفق عليه، حين بات عند خالته ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فوصف حال النبي صلى الله عليه وسلم عند استيقاظه قائلاً: «فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ».

إنَّ مسح العينين والوجه باليد عند الاستيقاظ يساعد على طرد الكسل وإزالة غشاوة النوم جسدياً ونفسياً. ثم يتبع ذلك فعلٌ عظيم، وهو النظر إلى السماء، كما ورد في رواية مسلم: «فَقَامَ نَبِيُّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ فَنَظَرَ إِلى السَّمَاءِ». إنَّ هذا النظر ليس نظراً عابراً، بل هو نظر تفكر وتأمل في ملكوت الله، واستشعار لعظمة الخالق الذي رفع هذه السماء بغير عمد، مما يهيئ القلب للخشوع المطلق.

رابعاً: تلاوة الآيات العشر الأخيرة من سورة آل عمران

بعد مسح أثر النوم والنظر إلى السماء، كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل آياتٍ تهتز لها القلوب، وهي خواتيم سورة آل عمران، ابتداءً من قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] إلى نهاية السورة.

تخيل هذا المشهد المهيب: سكون الليل، والنبي صلى الله عليه وسلم يمسح النوم عن وجهه، وينظر إلى النجوم، ويردد هذه الآيات التي تتحدث عن التفكر في الخلق، وعن إيمان أولي الألباب، وعن الدعاء والتضرع لله. إنَّ قراءة هذه الآيات في هذا الوقت تحديداً تمنح المؤمن بصيرة نافذة، وتربطه بعالم الغيب، وتذكره بأنَّ هذا الكون لم يُخلق عبثاً.

وفي هذا دليل فقهي هام أشار إليه العلماء، وهو جواز قراءة القرآن من غير طهارة من الحدث الأصغر (أي قبل الوضوء)، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأها قبل أن يتوجه إلى “الشن” (وهي القربة المعلقة) ليتوضأ.

خامساً: إحسان الوضوء والاستعداد للصلاة

يستمر حديث ابن عباس رضي الله عنه في وصف تلك الليلة المباركة، فيقول: «ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي».

إنَّ “إحسان الوضوء” يعني إعطاء كل عضو حقه من الماء مع استشعار معاني التطهير. فالوضوء ليس مجرد غسل للأعضاء، بل هو غسل للخطايا والذنوب. وعندما يكون الوضوء في وقت السحر، بماءٍ قد يكون بارداً، فإنَّ الأجر يعظم، والروح تسمو، استعداداً للوقوف بين يدي الله في صلاة الليل أو ركعتي الفجر.

تأملات في هدي النبي صلى الله عليه وسلم

إنَّ هذه السنن التي ذكرناها ليست مجرد طقوس، بل هي منهج حياة متكامل. لنتأمل كيف يجمع الهدي النبوي بين:
1. طهارة الظاهر: بالسواك والوضوء ومسح الوجه.
2. طهارة الباطن: بالذكر (الحمد لله الذي أحيانا).
3. غذاء العقل: بالتفكر (النظر إلى السماء).
4. غذاء الروح: بالقرآن (خواتيم آل عمران).

إنَّ تطبيق هذه السنن يستغرق دقائق معدودة، لكن أثرها في النفس يمتد طوال اليوم. فهي تمنحك “السكينة” التي يبحث عنها الناس في الماديات، وتوفر لك “الحصانة” من وساوس الشيطان وضغوط الحياة.

كيف نحيي هذه السنن في واقعنا المعاصر؟

في ظل صخب الحياة الحديثة، وسيطرة الأجهزة الإلكترونية التي باتت أول ما تمتد إليه أيدينا عند الاستيقاظ، نحتاج بشدة إلى وقفة جادة لإحياء هذه السنن:

  • اجعل سواكك بجانب فراشك: ليكون أول ما تفعله هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في “شوص” فاك.
  • درب لسانك على الذكر فور الاستيقاظ: قبل أن تفكر في مهام يومك، قل “الحمد لله الذي أحيانا…”.
  • افتح نافذتك وانظر إلى السماء: لو للحظات، استشعر عظمة الخالق وتذكر آيات آل عمران.
  • احفظ الآيات العشر الأخيرة من آل عمران: لتكون زادك في تلك اللحظات السحرية.

خاتمة: نداء إلى كل محب للنبي صلى الله عليه وسلم

إنَّ المحبة ليست مجرد كلمات تتردد، بل هي اتباع واقتفاء أثر. يقول الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.

إنَّ إحياء هذه السنن الموقوتة قبل الفجر هو طريقك لنيل محبة الله ومغفرته. هي دعوة لنبذ الكسل، ولتذوق طعم الإيمان الحقيقي في وقتٍ يغفل فيه الكثيرون. فكن أنت من يحيي السنة إذا ماتت، ومن يتمسك بها إذا هُجرت، لعل الله أن يحشرنا في زمرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويسقينا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً.

فلنبدأ من الليلة، ولنجعل استيقاظنا غداً استيقاظاً نبوياً، يملأ القلوب نوراً، والحياة بركة، والروح طمأنينة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *