مقدمة: ماهية العبور وأنتولوجيا الوجود الإنساني
إن الوجود الإنساني في الرؤية الإسلامية ليس مجرد ومضة عابرة بين عدمين، بل هو صيرورة مستمرة وحركة دؤوبة نحو كمال مطلق لا يحده زمن. تبدأ هذه الرحلة بنفخة من روح الله، وتمر بمحطة الدنيا كدار اختبار، لتنطلق بعدها نحو ‘أنتولوجيا العبور’؛ تلك المرحلة التي تنتقل فيها النفس من ضيق المادة إلى سعة الروح. يقول الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185]. هذا الفوز ليس مجرد نهاية مسار، بل هو بداية الوجود الحقيقي والخلود الأبدي.
أولاً: عتبة الرحيل وصيرورة التحول الأولي
تبدأ رحلة العبور باللحظة التي تسمى في الاصطلاح الديني ‘سكرات الموت’، وهي في الحقيقة لحظة ‘الاستبصار الوجودي’، حيث يرتفع الحجاب عن البصر ليرى الإنسان ما كان غائباً عنه. إن الموت في الإسلام ليس فناءً، بل هو ولادة جديدة للنفس في عالم مغاير. النفس المؤمنة تتلقى بشارات الخلود منذ اللحظات الأولى، كما ورد في الحديث الصحيح الذي يصف خروج روح المؤمن كقطرة الماء من في السقاء، فتلتقيها ملائكة الرحمة بالبشرى والطيب. يقول الله عز وجل: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) [الفجر: 27-28]. هذا الرجوع هو العودة إلى الأصل، وهو أولى ملامح الصيرورة نحو الأبدية.
ثانياً: معابر البرزخ.. حياة الأرواح في حضرة الغيب
البرزخ هو ذلك الحاجز والبرزخ الفاصل بين عالم الشهادة وعالم القيامة، وهو أولى منازل الآخرة. في هذا ‘المعبر’، تبدأ النفس في التكيف مع قوانين وجودية جديدة، حيث الزمان والمكان لا يخضعان للمعايير المادية التي ألفناها. يقول تعالى: (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون: 100].
خصائص الوجود في البرزخ:
- التنعم أو العذاب المعنوي والحسي: حيث تفتح للمؤمن نافذة من مقعده في الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، مما يجعل النفس في حالة استبشار دائم.
- الوعي المتسامي: النفس في البرزخ تعي ما يدور حولها وتسمع قرع نعال المشيعين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها منشغلة بمصيرها الجديد.
- الارتباط بالعمل الصالح: يتمثل العمل الصالح للمؤمن في البرزخ كأنيس في القبر، في صورة رجل حسن الوجه، طيب الريح، ليطمئن الروح في وحشتها.
إن الصيرورة في البرزخ هي عملية إعداد وتطهير وتأهيل للروح لتستعد للقاء الأكبر، حيث تتخلص من شوائب الطين وتتزين بأنوار اليقين.
ثالثاً: البعث والنشور.. إعادة التكوين الأخير
عندما يأذن الله بطي سجل الزمن الدنيوي، يحدث البعث كأعظم حدث أنتولوجي في تاريخ الكون. هو إعادة صياغة للنفس والجسد معاً ليتناسبا مع طبيعة الخلود. يقول الله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم: 48]. في هذا المقام، لا تعود النفوس كما كانت، بل تُبعث بوعي كامل وحواس مرهفة قادرة على تحمل رؤية الحقائق المطلقة. المؤمنون في هذا الزحام يكونون تحت ظل عرش الرحمن، يعيشون طمأنينة لا يقطعها فزع، مصداقاً لقوله تعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء: 103].
رابعاً: تضاريس النعيم في الفردوس الأعلى
الوصول إلى الفردوس الأعلى هو ذروة ‘الصيرورة’ ومنتهى الغاية. الفردوس ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو حالة من الوجود لا تخطر على قلب بشر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ‘إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة’ [رواه البخاري].
تجليات النعيم في الفردوس:
1. النعيم الحسي المتجدد: في الفردوس، لا تعرف الأشياء الذبول. الثمار متدلية، والأنهار تجري من تحت القصور، والجمال يزداد مع كل نظرة. (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الزخرف: 71].
2. النعيم المعنوي والسكينة: غياب الغل والحسد والكذب، وحلول السلام المطلق. (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) [الحجر: 47].
3. رؤية الله عز وجل: وهي القمة الأنتولوجية للوجود، حيث تكتمل النفس في أعظم تجلياتها بمشاهدة جلال الخالق، قال صلى الله عليه وسلم: ‘إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته’. هذه الرؤية هي التي تمنح الخلود معناه الحقيقي، وتجعل من كل نعيم سابق مجرد تمهيد لهذه اللحظة القدسية.
خامساً: كيفية الاستعداد لهذا العبور
إن العبور نحو الخلود يتطلب زاداً خاصاً، ليس من جنس المادة، بل من جنس النور. هذا الزاد هو التقوى والعمل الصالح الذي يغير من طبيعة صيرورة النفس ويجعلها مهيأة لوراثة الفردوس. يقول تعالى: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) [مريم: 63].
الاستعداد يبدأ بتزكية النفس في الدنيا، وتطهير القلب من الأغيار، وجعل الوجهة دائماً نحو الحق. إن الصيرورة نحو الفردوس تبدأ هنا، في صلاة خاشعة، في كلمة طيبة، في دمعة تفيض من خشية الله، وفي نية صادقة تنشد وجه الله الكريم.
خاتمة: الخلود كاستقرار في كنف الرحمة
في ختام هذه الرحلة، ندرك أن ‘أنتولوجيا العبور’ هي رحلة من المحدود إلى اللامحدود، ومن الفناء إلى البقاء. إن صيرورة النفس بين البرزخ والفردوس هي قصة حب إلهية، يختبرها المؤمن بيقينه وعمله. العبور ليس مخيفاً لمن اتخذ من القرآن دليلاً، ومن السنة سراجاً. نسأل الله أن يجعلنا ممن يقال لهم عند الموت: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30].
ليبقى هذا الرجاء هو المحرك لقلوبنا، والدافع لأرواحنا لكي تسمو وتترفع عن سفاسف الأمور، متطلعة دائماً إلى تلك التضاريس المقدسة في أعالي الفردوس، حيث الخلود الحقيقي، والنعيم الذي لا يحول ولا يزول.

اترك تعليقاً