التبصرة بالحلال والحرام: طريقك المضمون للفوز برضا الله والجنة

مقدمة: إن الحمد لله

إنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ، فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن الحديث عن الحلال والحرام في الإسلام ليس مجرد حديث عن أحكام فقهية جافة، بل هو حديث عن جوهر العقيدة، وسياج الشريعة، وطريق النجاة في الدنيا والآخرة. لقد وضع الله سبحانه وتعالى حدوداً لعباده، وأوضح لهم معالم الطريق، ليعيشوا في طمأنينة ويحققوا العبودية الحقة له سبحانه.

الحلال والحرام: حدود الله وميثاق العبودية

لقد أنزل الله كتابه ليكون منهاج حياة، وبين فيه أن التحليل والتحريم حق خالص له سبحانه، لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بما أوحى الله إليه. يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة: 275)، وهذا ميزان إلهي يفرق بين الطيب والخبيث.

إن المسلم مطالب بأن يطهر ظاهره وباطنه من الآثام، كما قال تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} (الأنعام: 120). والتحذير شديد لمن يتجرأ على دين الله فيحلل ويحرم بهواه، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النحل: 116-117).

وقد فصل الله المحرمات في آيات واضحة لا لبس فيها، خاصة في أحكام الأسرة والأعراض، صيانة للمجتمع المسلم، كما في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ…} الآية (النساء: 23-24)، ليبين أن الأصل في الأشياء الحلّ إلا ما ورد النص بتحريمه رحمة بالعباد.

قاعدة الفصل بين الحلال والحرام والشبهات

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: – وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ – “إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ”.

هذا الحديث العظيم هو أصل من أصول الشريعة، يربي في المسلم ورعاً يحميه من الانزلاق في المحرمات. فالحلال الواضح لا حرج فيه، والحرام الصريح يجب اجتنابه، أما ما التبس أمره، فالورع تركه استبراءً للدين والعرض.

التحليل والتحريم من صلب العقيدة

إن التسليم لأمر الله ورسوله في التحليل والتحريم هو جوهر الإيمان. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (الأحزاب: 36).

وقد ذم الله الذين يتخذون بشراً أرباباً من دون الله بأن يتبعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، كما جاء في حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه حين سمع النبي ﷺ يقرأ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، فَقَالَ ﷺ: “أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ”.

لذا كان الصحابة يحرصون على تعلم الإيمان والامتثال قبل كل شيء، فعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: “كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا”.

مبعث النبي ﷺ: إحلال الطيبات وتحريم الخبائث

من أعظم مقاصد البعثة المحمدية تيسير حياة الناس برفع الأغلال عنهم، وتحريم ما يضرهم. قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ… وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف: 157).

ولا يجوز لمسلم أن يكتفي بالقرآن ويترك السنة في معرفة الحلال والحرام، فقد حذر النبي ﷺ من ذلك بقوله: “يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمناهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ”.

والقاعدة العامة في ذلك ما رواه سَلْمَانُ رضي الله عنه: “الحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ”.

التدرج في التشريع: لطف الله بالعباد

من رحمة الله بعباده أنه لم ينزل الأحكام جملة واحدة تصدم النفوس، بل تدرج معهم في التربية. تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذا الملحظ الدقيق بقولها: “إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا…”. وهذا يعلمنا أن بناء الإيمان في القلب هو الأساس الذي تقوم عليه الاستجابة لأوامر الحلال والحرام.

كيد الشياطين وتغيير الفطرة

الشياطين تتربص بالإنسان لتخرجه عن فطرته التي فطره الله عليها، فتعمل على تحريم الحلال وتحليل الحرام لإيقاعه في الشرك. يقول النبي ﷺ في الحديث القدسي عن ربه: “وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا”.

حرمة المسلم: الدم والمال والعرض

لقد جعل الإسلام دائرة التحريم حماية للمجتمع، فشدد على حرمة المسلم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا… كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ”. إن الالتزام بهذا الحرام هو الضمان الوحيد لسلامة المجتمع وتماسكه.

تحريم الخمر والخبائث

لقد حسم الإسلام قضية المسكرات بوضوح تام، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: “كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ”. وسئل ابن عباس عن الباذق فقال: “سَبَقَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البَاذَقَ: فَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ… لَيْسَ بَعْدَ الحَلاَلِ الطَّيِّبِ، إِلَّا الحَرَامُ الخَبِيثُ”.

الحلال طريق للأجر والثواب

من فضل الله أن جعل في الحلال غنية عن الحرام، بل وجعل في إتيان الحلال أجراً. فعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ”، فلما تعجب الصحابة قال لهم: “أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ”.

نماذج من امتثال الصحابة

لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يمتثلون للأمر فور نزوله:
1. في الخمر: لما نزل تحريمها، سكبها الناس في طرقات المدينة فوراً دون تردد.
2. في الحجاب: لما نزلت آية {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، شققت نساء المهاجرات مروطهن فاختمرن بها.
3. في الذهب: لما رأى النبي ﷺ خاتماً من ذهب في يد رجل نزعه وطرحه، فرفض الرجل أخذه حتى بعد انصراف النبي ﷺ تعظيماً لأمره.

الخاتمة: الجنة لمن أحل الحلال وحرم الحرام

إن الفوز الحقيقي هو الجنة، وطريقها واضح وميسر لمن أراد. فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “نَعَمْ”.

فلنتق الله في مطعمنا ومشربنا وسائر شؤوننا، ولنحذر زماناً وصفه النبي ﷺ بقوله: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لاَ يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلاَلِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ”.

تم بحمد الله وتوفيقه.
الباحث في القرآن والسنة/ صلاح عامر

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *