سيمياء النسيج الكوني: إعجاز الحُبُك المجرّي ودلالته على هيبة الصانع

مقدمة: نداء التأمل في كتاب الله المنظور

في ليلةٍ صافية، حين ترفع بصرك إلى السماء، قد تظنُّها فراغاً أسودَ تتناثر فيه المصابيحُ عشوائياً، لكنَّ الحقيقةَ التي كشفها الوحيُ قبل أربعة عشر قرناً، وأكدتها أحدث المراصد الرقمية اليوم، هي أننا نعيش في وسط بنيةٍ هندسيةٍ معقدةٍ غاية في الإحكام. إنها سيمياء النسيج الكوني، تلك الروابط الخفية والظاهرة التي تشدُّ أجزاء الوجود بعضها إلى بعض، لتؤكد لذي لبٍّ أنَّ وراء هذا الإتقان خالقاً حكيماً لم يخلق هذا باطلاً. قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) [ق: 6].

دلالة اللفظ القرآني: ما هي “الحُبُك”؟

يقف المفسرون وعلماء اللغة طويلاً عند قوله عز وجل: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) [الذاريات: 7]. فكلمة “الحُبُك” في اللغة العربية تأتي من الجذر (حَبَكَ)، وهو إجادة النسج وإحكامه. يُقال: حَبَكَ الثوبَ، أي أجاد نسجه وشدَّ خيوطه بانتظام وتداخل متين. وفي التفاسير، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “ذات الخلق الحسن والاستواء”، وقال عكرمة: “ألم تر إلى الحائك إذا حاك الثوب فما فيه من طرائق؟ فهي مثل ذلك”.

إن هذا الوصف القرآني يقرر حقيقة فيزيائية مذهلة؛ فالسماء ليست فراغاً، بل هي نسيجٌ (Fabric) له طرائق وشبكات محكمة. هذه الاستعارة القرآنية “الحبك” هي الأدقُّ توصيفاً لما وصل إليه العلم الحديث في وصف البناء الكوني، حيث يتحدث العلماء اليوم عما يسمونه بـ “النسيج الكوني” (The Cosmic Web).

الفيزياء الكونية: من الفراغ إلى النسيج المجرّي

في العقود الأخيرة، وعبر مسوحات السماء العميقة مثل مسح “سلووان” الرقمي (SDSS)، اكتشف علماء الفيزياء الفلكية أن المجرات لا تتوزع بشكل عشوائي في الفضاء، بل تصطفُّ على هيئة خيوط (Filaments) كونية ضخمة جداً، تفصل بينها فراغات هائلة. هذه الخيوط المجرية تتقاطع في عقد (Nodes) كثيفة جداً، مما يشكل شبكة تشبه تماماً نسيج العنكبوت أو نسيج القماش المحكم.

هذا النسيج هو ما عبر عنه القرآن بـ “الحبك”؛ فهو بناءٌ متصل، مشدودٌ بقوى الجاذبية والمادة المظلمة، حيث تتدفق المجرات والغازات عبر هذه الخيوط الكونية كما تتدفق الدماء في الأوعية. إنها هندسةٌ إلهيةٌ تمنع الكون من الانهيار، وتجعل من حركة الأجرام سيمفونيةً منضبطة. وهنا نستحضر الحديث الشريف الذي يرسخ عظمة الخالق: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» (رواه البيهقي وصححه الألباني)، فإذا كان هذا حال النسيج الذي نراه، فكيف بعظمة الصانع وجلال عرشه؟

إحكام التدبير: آية على هيبة الصانع

إنَّ دراسة “الحبك” المجرّي ليست مجرد ترفٍ علمي، بل هي عبادةٌ تفكرية تكشف عن إحكام التدبير. فالكون ليس آلةً صماء، بل هو مخلوقٌ خاضعٌ لنواميس دقيقة. فلو اختلَّ توازنُ القوى في هذا النسيج بمقدار شعرة، لانهدم البناء الكوني كله.

  • التداخل والترابط: كيف ترتبط مجرات تبعد عن بعضها مليارات السنين الضوئية في نسيج واحد؟ إنه قيومية الله التي تمسك السماء (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا) [فاطر: 41].
  • الجمال والزينة: لم يقتصر البناء على الإحكام بل شمله الجمال، فالصور التي تلتقطها التلسكوبات لـ “الحبك” الكوني تظهر ألواناً وتشكيلاتٍ تأخذ بالألباب، تصديقاً لقوله: (وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ).
  • الوحدة في التنوع: رغم اتساع الكون، إلا أن النسيج واحد، والقوانين واحدة، مما يدلُّ على أن الخالق واحد سبحانه وتعالى.

الأبعاد الروحانية لسيمياء النسيج الكوني

حين يدرك المؤمن أنَّ هذا الكون الفسيح منسوجٌ بـ “الحبك”، يشعر بصغر حجمه المادي وعظم قيمته الروحية. فالله الذي أحكم بناء المجرات في خيوط دقيقة، لن يعجزه تدبير شأنك الصغير، ولن يغفل عن نبضات قلبك. إنَّ هيبة الصانع تتجلى في أنَّ هذا النسيج العظيم يسجد له طوعاً وكرهًا.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ومللك واضع جبهته ساجداً لله» (رواه الترمذي). هذا “الأطيط” أو صوت الثقل على النسيج، هو تعبير نبوي بليغ عن امتلاء هذا البناء المحكم بالعبودية لله، فالمؤمن عندما يتأمل النسيج الكوني، يشعر أنه جزءٌ من جوقة التسبيح الكبري.

الخاتمة: عودة إلى صراط العزيز الحميد

إنَّ “سيمياء النسيج الكوني” هي لغة الإشارات التي يبعثها الوجود إلى الوجدان. فكلُّ خيطٍ في هذا الحبك المجرّي هو شاهدُ صدقٍ على أنَّ هذا الكون لم يأتِ صدفة، وأنَّ العشوائية لا مكان لها في ملكوت الله. (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ) [الملك: 3].

لقد أراد الله لنا من خلال آية “الحبك” أن ندرك أنَّ النظام هو أصل الوجود، وأنَّ الانضباط الكوني يجب أن ينعكس انضباطاً في حياتنا الأخلاقية والتعبدية. فمن أتقن نسيج السموات، أمرنا بإتقان العمل، ومن أحكم مسارات المجرات، رسم لنا صراطاً مستقيماً لا اعوجاج فيه. نسأل الله أن يملأ قلوبنا بهيبته، وأن يجعلنا من المتفكرين في خلقه، التالين لآياته حق تلاوته.

والحمد لله الذي جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *